Monday, April 1, 2019

ثقافة الكم


فى حادثة لافتة للنظر، ظهرت مؤخرا على وسائل التواصل الاجتماعى صورا وتعليقات تنتقد ظهور أحد الفنانات فى أحد المحافل الفنية بملابس غريبة وقبيحة الشكل لدرجة لافتة، فما كان من تلك الفنانة إلا أن ردت على منتقديها بقولها (انتوا مش عارفين الفستان دا بكام؟!!) معلقة على غلو ثمن الفستان الذى يصل الى عشرات الآلاف من الجنيهات. ربما أثارت تلك المقولة التساؤل لدى بعضهم، ما علاقة القيمة المادية بدرجة الجمال؟ وهل ينبغى بالضرورة أن كل ما غلا ثمنه أن يلقى استحسانًا وقبولًا؟

فى مجتمعاتنا وفيما يتعلق بمسألة الزواج أصبحنا نرى كيف تتسابق العائلات على تزويج بناتها لمن يملك أكثر، ولديه القدرة المادية الأعلى على شراء كل مستلزمات الزواج والكماليات منها قبل الضرورات، ونجد مظاهر المغالاة الشديدة فى شراء العديد من الأشياء التى قد لا تشكل حاجة أساسية لأى من الزوجين وقد لا يضطرون الى استخدامها ولكنها تعد من قبيل الوجاهة الاجتماعية والتباهى أمام الآخرين أو التقيد بالعادات والتقاليد، الأمر الذى يصل  فى بعض الأحيان لفشل العديد من الزيجات بسبب الاختلاف على تلك المظاهر المادية.

حتى على مستوى التعاملات اليومية بين الناس صار هناك ما يشبه عرفًا سائدًا من توجيه التقدير والاحترام لكل إنسان يدل مظهره الخارجى على الثراء والترف ونرى آثارها من خلال لغة الخطاب والسلوك، فى مقابل التقليل من الشأن وعدم الاكتراث والذى قد يصل فى بعض الأحيان الى  الازدراء والاحتقار لكل من تبدو عليه امارات البساطة ورقة الحال.
أما على مستوى علاقاتنا الإنسانية فأصبح يحكمها عدد الخدمات التى يتم اسدائها وقيمة المنافع التى قد يتحصل علها الشخص من خلال تلك العلاقة، وصارت مشاعر الحب بين الأهل والأصدقاء تقيم بمدى المقابل الذى يبذلونه لنا من أوقاتهم ومشاعرهم فنحسب لعطائنا كل حساب فلا نزيد على قدر ما نتلقاه منهم، وأصبحت متعتنا الوحيدة وحتى طريقتنا فى معالجة الأحزان والهموم تتلخص فى تدليل النفس بتناول الوجبات الفاخرة وفى الخروج الى الأسواق لمزيد الشراء والاستهلاك.

كل ذلك بدون أن نتوقف للحظة ونسأل أنفسنا هل نحن فى حاجة حقيقية الى تلك الأشياء؟ وهل تعوض القيمة المادية الجماليات والمشاعر المفتقدة؟ وهل نشعر بالسعادة عندما تتحول علاقاتنا الى ماكينات صرف آلى جامدة ؟ وهل يرضينا أن نتعرض لظلم أو اهانة بناء على مظهرنا الخارجى وقيمة ما نملكه فى جيوبنا؟

إن هذه الحوادث والمظاهر وغيرها أصبحت تدلل وبشدة على انتشار وتغلل الثقافة المادية فى فكرنا، تلك الثقافة التى تقيس حسابات الحسن والقبح بالمادة، كما تلخص معايير النجاح والاستقرار والأمان والسعادة فى القدرة المادية والشرائية فتزيد وتنقص بزيادة أو نقصان الثمن والكلفة المدفوعة، وتعتبر أن قوانين الحرية والكرامة والاحترام أصبحت حكرًا على ذوى الأملاك والنفوذ وليست حقًا لغيرهم.

الفكر المادى
إن لفظ المادية له مدلولات مختلفة، فحين تعرّف المادة لغةً بالشئ المحسوس الذى يمكن ادراكه بالحواس الخمسة، تعرّف المادية فى الفلسفة والفكر على أنها النظرة والاعتقاد بوجود الواقع المادى المحسوس فقط وإنكار الوجود المجرد وما وراء الطبيعة وأن لا شئ فى الكون إلا وهو محكوم بإطار المادة والزمان والمكان وما عدا ذلك هو وهم، وقد تحولت المادية الى مدرسة فكرية فى القرنين الثامن والتاسع عشر عندما تبنى تلك الأفكار والمعتقدات العديد من علماء الغرب فى بداية عصر التنوير الذى خرج متمردًا على قصور المفاهيم الدينية فى الاجابة على التساؤلات العلمية ووضع تفسير للظواهر الطبيعية ووضع النص المقدس فى مقابل العقل. بالاضافة الى العنف والتشدد والظروف السياسية والاجتماعية المستبدة التى صرفت العلماء والنخب عن التفكير العقلانى المتحرر والجأته الى كنف المادة والعلم التجريبى الذى وجد فيه الاجابة على تساؤلاته والقدرة على تطوير وتغيير حياته للأفضل ماديًا. فكانت هذه الفلسفة المادية هى التى تطورت وظهرت فيما بعد آثارها على كل جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية فى الغرب.

إن أساس النقد الموجه الى تلك الفلسفة المادية يكمن فى قضية الاختزال، بدءًا من اختزال الواقع الى الجانب المادى منه وانكار وجود الواقع المجرد، مرورًا باختزال حدود المعرفة وأدواتها الى حدود الحس والتجربة العلمية، وانتهاءا باختزال كل القيم المعنوية والمجردة والأخلاقية للأشياء والاتجاه الى تقييمها من خلفية مادية بحتة، فالمصداقية والأمانة مطلوبان لكسب الثقة وانجاز العمل الذى سيدّر دخلًا أعلى، والسعادة تتمثل فى تحقيق أقصى درجات الاكتفاء والرفاه المادى وتوفير سبل الراحة. وبشكل عام انتشر الفكر النفعى البراجماتى الذى يحصر قيمة كل شئ فى مدى نفعه والمصلحة المادية المترتبة عليه.

كيف أصبحنا ماديين؟
نحن فى مجتمعاتنا العربية لم ننشء فى رحم الفلسفات المادية الغربية ولم نتعرض لنفس ظروفها التاريخية والسياسية، بل إننا نملك على مستوى المفكرين والفلاسفة مدرسة آلهية بامكانها اجابة كل التساؤلات وتقديم تفسيرات عقلية ومنطقية لأسئلة المعرفة والوجود، وفى أصل هويتنا وعقيدتنا نؤمن بوجود ما وراء الطبيعة وبالجوانب الروحية والايمانية، ولكننا للأسف تركنا أنفسنا للوقوع فريسة تحت تأثير الفلسفات الغربية الحسية عندما سمحنا لهم بغزو عقولنا وأفكارنا واستعمارنا فكريًا قبل أن يكون سياسيًا أو عسكريًا، ولم نتحصن بالدروع العقلية الواقية عندما هجرنا العلم والمعرفة وافتقدنا للعلماء والمفكرين القادرين على مواجهة هذا السيل والطوفان من الأفكار الغربية الوافدة التى تغلغلت لصميم وتفاصيل حياتنا مما أدى الى حدوث خلل رهيب بين الفكر والسلوك، فأصبحنا آلهيين العقيدة ماديين السلوك.

ولأن هذا الانفكاك بين الفكر والعمل هو حالة غير طبيعية وسيتسبب بصراع لا ينسجم معه حال الإنسان فكان لا بد لأحدهما أن يتغلب على الآخر ليحدث التوافق، فتحولت المادية السلوكية لمادية فكرية أثرت فيها الأخلاق والعمل على التفكير وسمحت لهذا الإنسان العربى أن يعيد صياغة مفاهيمه ومعتقداته،  فتم تعطيل العقل المجرد من ساحة المعرفة والفكر والسلوك لينتهى ذلك بعدم البحث وراء القيم الحقيقية للأشياء و الاكتفاء بالمقياس الحسى السطحى نظرًا لوضوح وسهوله ادراكه كوسيلة لتحديد تلك القيمة.

إن ادراك القيم المعنوية والمجردة مثل الحسن والجمال والحب والسعادة العدالة والكرامة هو عمل عقلى بالأساس، واختزال تلك المفاهيم من خلال مقاييس العدد والكم إنما يعبر بوضوح عن التدنى فى درجة الوعى والعلم،  وهو بذلك على عكس الشائع ليس معبرًا عن درجة الرقى فى المجتمع، بل إنه دليل على مدى انتشار السطحية والجهل، تلك الثقافة السطحية الاختزالية المعتمدة على الشكل الخالى من أى مضمون، هى التى أدت الى انتشار ثقافة التوك شو  والحكم من خلال المظهر،  والذوق الخالى من أى لمحة جمالية حقيقية، وهى فى مجملها لن تؤدى الى سعادة وكمال الإنسان والمجتمع وإنما هى انتقاص لقدره وهضم لحقوقه، ولن تؤول بمصيره إلا الى الألم والشقاء، هذا إن لم يستعيد عقلنا العربى هويته وثقافته ويسعى الى احياء قيمة العقل من جديد.


كتبت بتاريخ 22 نوفمبر 2015

No comments:

Post a Comment