Sunday, November 18, 2018

الوحدة وفقه الاختلاف


" مش عارف الولد ده طالع لمين مع إن اخواته كلهم مش كده !"
"يابنى أنا أكبر منك وعارف أكتر منك والحياة علمتنى واللى بقولك عليه هو الصح"
" ولما الناس كلهم شايفين إن ده الصح انت يعنى اللى هتفهم أحسن منهم  !! "
" يعنى انت مش عايز توافق على اللى بنقوله يبقى انت مُصّر انك تعادينا "

يشعر المرء براحة أكبر عندما يشعر أن كل من حوله يعتقدون بنفس أفكاره ويميلون لنفس ميوله ويعجبون بنفس رغباته، يعيش معظم حياته وهو يعتقد ويؤمن بنفس الأفكار وقد مارس حياته من خلالها وها هى قد أثبتت صحتها مرارًا وتكرارًا،  ألم يفعلها أبواه ومن قبله أجداده ! أليس كونه حيًا يرزق الى هذه اللحظة ولم تؤدِ به هذه الأفكار الى حتفه دليلًا كافيًا على ذلك ! ها هو يرى كل من حوله يعيشون حياتهم بنفس التفاصيل تقريبا، لا أحد يشذ عن القاعدة. تعلمنا منذ كنا صغارًا أن نحفظ عن ظهر قلب ونعيد القاء ما يذكر الينا فى الكتب لننجح، يقولون دومًا فى وسائل الاعلام أن نسبة التأييد تكاد تقترب من 99% ، وأن كل الغرب ناجحون ومتقدمون فى كل المجالات ألم يصعدوا الى القمر وما زلنا نكافح لأجل لقمة العيش!  العرب متخلفون وجهلة وأغبياء. نعم لا بد أنهم كذلك.
تمتلئ شاشات التلفاز بالمتشاحنين والخصماء، كلٌ متعصبٌ لفكرته ومن خالفه فقد عاداه، ولينحى كل منا بأفكاره ويقيم حاجزًا صلبًا يحميه من هؤلاء المارقين، وسيحمى محيطه وأفكاره بكل ما أوتى من قوة، أنت لن ترضخ لمفاهيمى وأفكارى!! حسنًا لقد أجزت لى قتالك فأنت كافر مرتد.

" انا حر اعمل اللى أنا عايزه مش لازم ابقى نسخة منك !"
" مفيش حاجة اسمها صح وغلط طالما انا شايفه صح ايه المشكلة ؟! "
" الناجح دلوقتى هو المختلف، لازم تطلع بفكرة مبتكرة وتقليعة جديدة عشان الناس تلتفت ليك وتظهر وسطهم "
" الأفكار دى عفا عليها الزمن خلاص احنا فى القرن الواحد والعشرين "

نحن الآن نرفض الرضوخ للقوالب الجاهزة، لا ينبغى أن نكون نسخ الكترونية مكررة، لنكن مختلفين ولنقم بثورة على المعتاد وعلى التنميط والنمذجة، نبحث عن الاختلاف لمجرد الاختلاف أليس الاختلاف سنة الحياة؟ وكيف تتطور البشرية دون الابداع ورفض كل ما هو تقليدى؟! وفى خضم طريقنا للتمرد وبحثنا عن الحرية دمرنا كل شئ بما فيها الثوابت والقيم، كل إنسان حر فيما يعتقد من مفاهيم وأفكار ولا ينبغى أن نتفق على شئ، ألم نعانى من تبعات التعصب والتطرف؟! وفى الحقيقة لا شئ يمكن أن نتفق عليه فلا وجود للثبات أصلا فما أراه أنا صحيحا قد تراه أنت خاطئا والعكس فلماذا نعذب أنفسنا؟!

هكذا وجدنا أنفسنا بين نموذجين، نموذج يدعو الى التطابق والتوحد الكامل وما عدا ذلك ينبغى اقصائه لتعيش الأمة فى سلام وتناغم، ونموذج يعظم الاختلاف وينكر الثوابت ويدعو الى النسبية والحرية المطلقة، نموذج لبرمجة العقول، ونموذج آخر لنفى العقول لتحل محلها الشهوات والرغبات الفردية والمصالح الشخصية، نموذج يدعو الى التقليد والتبعية العمياء، ونموذج يجعل الاختلاف فى ذاته غاية وهدف،  نموذج يرفض الاعتراف بالاختلاف، ونموذج يرفض الاعتراف بالثوابت والقيم الجامعة، وكلاهما سيؤدى لا محالة الى الفرقة والتقسم.
أين اذن النموذج الأمثل؟ وكلاهما – أنصار التوحد وأنصار الاختلاف - يدعون أنه هو السبيل المنطقى والضرورى من أجل التغيير والتقدم والنهضة؟!

( ولا يزالوا مختلفين إلا ما رحم ربك)
( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)
لا شك فى أن الأمة الواحدة والجماعة المجتمعة والأقدر على نبذ الخلاف والفرقة هى الأقدر على التقدم والنهوض، ولا سبيل لأى أمة لبلوغ أهدافها وغايتها الكبرى من دون حد أدنى من التوافق، ولكن السؤال الأهم هو على أى شئ تجتمع؟ وهل يجب أن يخالف هذا الاجتماع بالضرورة سنة الاختلاف بين البشر؟!

إن التوحد والاجتماع يحتاج بالضرورة الى التوافق حول بعض الثوابت والمشتركات والقيم الكلية الجامعة، فالحق والعدل والخير قيم عقلية كلية ثابتة تهدف الى تحقيق سعادة وكمال الإنسان والمجتمع، ولا تختص بجماعة أو فرقة، وتتفق مع فطرة الإنسان قبل أن تأتى بها الأديان، وعندما جاء الدين الذى يحض على نفس تلك الأفكار والمفاهيم ولا يفرق بين عربى وأعجمى الا بالتقوى استطاع أن يجمع شمل الأمة وكلمتها على التوحيد، وأن يصنع حضارة قوية ومتماسكة بعد أن كانت أممًا متصارعة وتحكمها العصبيات القاتلة، فعندما ترتبط الأمة بالأهداف والغايات الكبرى ويساعدها على ذلك فهمها لواقعها تستطيع أن تدفع بالعالم نحو التقدم الذى يخدم البشرية،

كما أن هذا التوافق على الكليات العقلية المجردة لا يعنى التطابق فى التفاصيل، ولا ينكر وجود الاختلافات الجزئية بين البشر، بل إنه وضع فقها للتعامل مع النزاع والخلاف بردّه الى نفس القيم الكلية الجامعة، كما أنه يؤمن بضرورة هذا الاختلاف الجزئى فى القدرات والمشارب والميول والامكانيات من أجل التطور، ولا يتعارض مع ما للابداع من أهمية، ولا يضع قيودًا على حرية الإنسان طالما كان فى صالح البشرية ويسير بها نحو نفس الغاية الكلية، فأسس بذلك قوانينًا للتعايش والتكيف – اعترافًا صريحًا منه بوجود الاختلاف – بدلًا من فكر الاقصاء أو الانقسام.

عندما أراد أعداء الأمة ضرب وحدتها وافشال مشروع نهضتها عملوا على تكريس ثقافة التجزئة والتقسيم فكانت "سايكس –بيكو" وأمثالها، ثم عملوا على حماية هذه الفرقة والانقسام بزرع خلية سرطانية فى قلب بلادنا لا هم لها سوى إذكاء روح التعصب والفتنة وتعظيم الخلاف وزرع أسباب الاقتتال والحروب، ولما كانت الحضارة الاسلامية والعربية بما قامت عليه من ثوابت وأسس وفلسفات قادرة على وحدة الأمة ولم شملها يومًا ما، إذن فلنضرب تلك العقيدة فى مقتل، سنغزوهم بأفكارنا وفلسفاتنا المضادة عن المادية والحرية والقيم النفعية، سنوهمهم أن ثوابتهم وتراثهم هو عدوهم الأول وأنه هو ما أدى الى هزيمتهم وانكسارهم، وأن عليهم أن يتخلوا عن تلك الأفكار الهدامة والقيم البالية، سنوحى اليهم أن التقدم والتطور يحتاج الى التمرد على الثوابت والقيم وكل ما كان قديمًا، سنفرغ مجتمعاتهم من المعتدلين وأصحاب الرأى والفكر وليتحدث فى الفكر والدين والسياسة من شاء، وليأتى كل مختلف منهم بأفكاره، ألسنا نعيش أزهى عصور الديمقراطية ويجب أن نتقبل كل ما هو جديد؟!

هكذا تشتتت الأمة وتقسمت عندما أصبح الاختلاف هو الغاية وليس وسيلة استثمار نحو الأفضل، عندما أُطلق بلا رابط وغابت عنه المرجعية الحاكمة العادلة الرشيدة، حين تخلت الأمة عن مفكريها وقادتها، عندها تم استعبادنا ولا سبيل لقيامنا سوى بالعودة الى قيمة العقل واستعادة هويتنا الضائعة من جديد.

كتبت بتاريخ 9/1/2016

لا مكان

"علاقتى بالمكان هى فى حقيقتها علاقة بالزمن
أنا أعيش فى بقع من الوقت، بعضها فقدته وبعضها املكه لبرهة ثم أفقده لأننى دائماً
(بــ (لا مكان"
-----------------------------------------





تتنامى الى مسامعى أصوات أجراس الكنيسة القريبة فى صباح ذلك اليوم الهادىء
الشوارع المنحدرة والصاعدة بطول المدينة، نظيفة تماماً
البيوت القصيرة والصغيرة المتناثرة والمتلاصقة، تحفها حدائق صغيرة مرتبة
النوافذ المتعددة بستائرها الرقيقة وأحواض الزهور المنتشرة حولها
هبات هواء لطيفة تطيّر أوراق الأشجار الخضراء والصفراء والبنية المتناثرة على الأرض وتبعثرها من حولى
أطفال صغار بعيون ملونة وبشرة بيضاء وشعور شقراء يمشون فى صف طويل فوق الرصيف المقابل متشابكى الأيدى بخطوات طفولية متأرجحة فى طريقهم الى المدرسة
سيدات أنيقات يدفعن أمامهن عربات أطفالهن الصغار أثناء تمشيتهن الصباحية تحت أشعة الشمس
من حين لآخر يمر من تحتى راكبوا الدراجات بخوذاتهم السوداء الضخمة وآخرون يمارسون طقوسهم الصباحية فى الركض بزيهم الرياضى الجذاب

من داخل شرفتى أتابع المشهد بروتينية، يتصاعد بداخلى احساس بالفراغ وثمة غصة فى الحلق لا أقدر على ابتلاعها. تتضاءل أمامى الصورة تدريجياً لتحل محلها صورة أخرى بشوارع صاخبة مزدحمة ووجوه سمراء ضاحكة وبيوت ساهرة لا تنام

من داخل شرفتى أخطو للداخل، احكم اغلاقها وفرد الستائر جيداً. أتناول حقيبة سفرى الكبيرة جداً وأغادر 

كتبت بتاريخ 21/6/2011
------------------
نشرت هذه التدوينة ضمن كتاب أبجدية ابداع عفوىكتاب ال 100 تدوينة
ص 272

لينك مدونة الكتاب

رغبة أزلّية

كانت سعيدة بكل ما حولها
الفضاء الممتد الى ما لا نهاية
الخضرة المترامية من حولها
سيقان الأعشاب الطويلة
الزهور الصفراء والحمراء والبرتقالية المنمنمة المتأرجحة تحت أزيز نحلاتٍ صغار
أشعة الشمس التى لم تبخل عليها يوماً بالدفء والحنان
الكثير من اصدقائها يشاركنها اللهو والمرح
ولكن بالرغم من كل ذلك كانت تدرك أنّ شيئاً ما لا زال ينقصها
*****
فى ذلك اليوم الأبدّى
تسلقت ربوة عالية
القت نظرة على ما خلّفته
بدأت فى الركض السريع
ثم فتحت جناحيها للريح
وطارت

كتبت بتاريخ 26/6/2011

هويّة

وحيدةٌ، مشردة ٌوضائعة
كريشةٍ هائمةٍ تتقاذفُها الرياح
التمسُ سطحاً أعرفه
التصقتُ به حتى سأمنى، فلفظنى
هذه المرة لم أتبعثرْ فى الهواء
سقطتُ على الأرض
تتدافعُنى الأقدام

كتبت بتاريخ 2/7/2011

متتالية ألم

مثل لعبة مثيرة، جذّابة وبرّاقة
يقبلُ عليها الأطفال بشغفِ الدهشةِ الأولى
يتأملونها من كل الزوايا
تعبث أصابعهم بها
يلهون بها لفترة
حتى يملّون
فينصرفون عنها
تاركينها على الأرض
مفتتةَ الأجزاء
تنزف

كتبت بتاريخ 3/7/2011

شرنقة

التباس الخيوط يعاند فتحات الضوء ..
بداخلها قد تنضج ..

أو تختنق ...

كتبت بتاريخ 24/8/2011

Friday, October 5, 2018

أبكى

انى اكبر وتكبر معى أشياء كثيرة اولها الانهاك ...
انهاك الادراك .. تتكثف التجارب وتتمايز الأفكار .. تصبح أكثر تعقيداً وشمولية ,,
يمضينى حدة الوعى وأبكى
لأنى اعتدت على التأثير والمواجهة، ولأن زيادة النضوج أعيتنى عن التبلد فى مواجهة ضلالات الحياة..
لأن وعيى أصبح يتطلب مناشدة أكثر للتفهم أصبحت عاجزة عن ايجاده

انى اكبر وتكبر معى أشياء كثيرة اولها الانهاك ...
انهاك الخصوصية والتفرد بالذات.. الصراع بين الرغبة فى الانطلاق وخشية الانتهاك..
أصبح أكثر تحفظاً وأبكى
لأنى اعتدت الشجاعة والاقبال،، ولأنى أعجز عن الانزواء والاكتفاء بالصمت..
لأن اقدامى أصبح أكثر مدعاة للايذاء، أصبحت أكثر حرصاً على سلامى الداخلى من الخدش أو الاتلاف

انى اكبر وتكبر معى أشياء كثيرة اولها الانهاك ...
انهاك الحياة بكل خيباتها ومرارتها.. حلمى المتجدد كل يوم بأفضلية الغد.. صدامى ما بين الممكن والمستحيل
أصبح أكثر انتظاراً وأبكى
لأنى اعتدت أن اتفائل ولأنى أعجز عن التسامح مع خيبات القدر
لأنى أخشى أن يعمينى طول الأمل عن الأخذ باحتمالات الحياة،، أصبحت أكثر خوفاً من فداحة الخسارة حد الألم

انى اكبر وتكبر معى أشياء كثيرة اولها الانهاك ...
انهاك الاحتياج.. الرغبة فى السكن والشعور بالأمان..
أصبح أكثر قلقاً وأبكى
لأنى أحمل بداخلى عطاءاً لا حدود له، وأجبن من ان أطالب بمثله..
لأن سقف طموحى يحده كبريائى،، ولأن رغم قوتى فى مواجهة الصعاب أصبح أكثر ضعفاً
أصبحت أنشد عطفاً دون ان أصرح به.. عطفاً غير متوقع أو مشروط

انى اكبر وتكبر معى أشياء كثيرة اولها الانهاك ...
انهاك الحنين.. أكبر وتكبر أشيائى معى..
أمارس لعبة الذكريات وأبكى
لأنى أمضى.. تغادرنى أيامى وأعجز عن الاحتفاظ بها
لأنى اعتدت الامتنان الى لحظات الماضى .. أفراحه وأشجانه
يوجعنى مرور الوقت وتدمينى فكرة الزمن
لأن عمراً طويلاً مضى.. أتساءل ما حل به وما حل بى
أشعر بالانهاك..
وأبكى

كتبت بتاريخ 20/9/2018

والذين أمنوا أشد حبًا لله


(ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربى)
الروح أو النفس الإنسانية، ذلك الجوهر المجرد المميز للإنسان وحده، والذى كان منذ القدم ولا يزال مثارًا لعجب وحيرة وجدل غالب بنى البشر متنوعين ما بين الفلاسفة والعلماء، أو مثار اهتمام خاص لأصحاب الذوق وأرباب الشهود، حتى أن من كل هؤلاء من عكفوا وكرسوا حيواتهم من أجل فهمها ووصفها والولوج إلى أسرارها ومعرفة دقائقها، والتى من أجلها قامت العديد من الأبحاث والتجارب ونشأت العلوم، يقولون أن ذلك بسبب طبيعتها غير المستقرة وأحوالها المركبة بكل ما تحمله من قوى وميولات ونزوعات وانفعالات وعواطف تؤثر وتتحكم فى أفعال الإنسان وقراراته وربما مصائره.. وينظر البعض إلى هذا الشق النفسانى المميز بما يحمل من عواطف وانفعال كالحب والتعلق والرحمة والشفقة والعطف على أنه جانب مكروه فى الإنسان نظرًا لأنه يدفعه فى كثير من المواقف إلى الرضوخ للغير والتواضع، بل لقد ذهب البعض فى ثنائية فكرية إلى وصفه بأنه يمثل جانب الضعف الإنسانى فى الوقت الذى ينبغى فيه لهذا الإنسان أن يتحلى بمظاهر القوة ليبقى ويسود، وعليه فإنه يجب أن يتخلى عن جانب الضعف فيه ويتنازل عن مشاعره وعواطفه فى مقابل نفعه ومصالحه.
من جهة أخرى يرى آخرون أن تلك العاطفة الإنسانية هى المُورِثة لألم الإنسان وشقائه فلولاها لما تألم وعانى جراء فقدانه لكثير من الأشياء والأفراد الذين ارتبط وتعلق بهم، فى محاولة لتجريد الإنسان من شقه الإنسانى والدفع به نحو أن يتحول إلى آلة صماء لا دور لها سوى التفكير المجرد الخالى من المشاعر والأحاسيس، حتى أن بعضهم يتساءل: لماذا خلق الله لنا قلوبًا لتحب وتتألم؟!! ألم يكن من الأفضل أن يُخلق الإنسان بلا عاطفة أو مشاعر؟
 فى اللغة قلب الشىء يعنى جوهره، وتقلب الشىء أى تغير من حال إلى حال، هكذا هو حال القلب فى الإنسان، قد يتعلق وقد يهجر، قد يحب وقد يكره، ولأن جوهر الإنسان هى نفسه وروحه المجردة، لذلك كانت النفس هى مصدر الحب والتعلق، هى من تسعد وهى من تشقى، هى من تتألم وتكره وتعشق وترتاح وتنفر وتنبسط، ولعل محاولة النظر إلى الجانب الآخر من القضية يجعلنا نتسائل: وماذا لو فقدت الأم مشاعر الحب واللهفة تجاه أطفالها؟! أكانت لتتحمل كل آلام وعذابات الولادة والسهر والتربية من أجل تنشأتهم؟! ماذا لو فقدنا عاطفتنا نحو الضعفاء والكادحين؟! أكانوا ليجدوا من يعمل من أجلهم ويتحمل المشاق فى سبيل توفير ما يحفظ لهم إنسانيتهم ويحميهم من الهلاك؟! ماذا لو فقدنا انتماءنا للأرض والعرض؟ أكنا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا وأرضينا وأهلنا من أى اعتداء؟! ماذا لو فقدنا شعورنا باللذة الناجمة عن تناول الطعام والشراب والراحة؟! هل كنا نستطيع الحفاظ على حياتنا؟! ماذا لو انعدم شعورنا ببهجة ونشوة العلم؟! أكنا سنسعى للتعلم والمعرفة؟
ربما سيطرح السؤال الآخر؛ ولكننا أيضأ نتألم ولا يصيبنا جراء هذا التعلق والارتباط سوى مزيد من الألم والمعاناة.. ألا تورثنا المعرفة سوى مزيد من الألم؟! ألا نرتبط بالأشخاص ثم نصاب فيهم بخيبة الأمل والخذلان؟! ألم يكن يكفى أن نستشعر لذة وحلاوة الأشياء بدون حزن أو مشقة أو تعب؟!
وهل يتولد الارتباط والدافعية إلا من رحم المعاناة؟! ألا نعانى ألم الجهل فنسعى للمعرفة.. ألا نعانى ألم الضعف فنسعى لاكتساب القوة؟! ألا نعانى ألم العجز فنسعى لاكتساب القدرة؟
إن وظيفة القلب هو الارتباط ومن الارتباط تتولد الإرادة والدافعية للفعل، بدون المشاعر لم نكن لنتحرك، وبدون فضول المعرفة ولذتها لم نكن لنسعى فى اكتشاف ما جهل علينا وعلة الأشياء وأسبابها وحقيقة الواقع الذى نعيشه.. ما كنا لنعرف من نحن؟ وما هو سر وجودنا؟ إن التعلق والارتباط إنما ينشأ من كوننا نحن مفتقرين ومحتاجين، وقد فُطر القلب على التعلق بما كان جميلا وحائزًا على جوانب الكمال فيه.. إنما نتعلق بالشىء لأننا رأينا فيه جوانب من التناسق والاكتمال الذى نفتقده ونبحث عنه.. أو لأننا وجدنا فيه ما يعوض نقصًا نعانيه..
نتألم بعد معرفة الحقيقة ليس لكون الحقيقة جالبة للحزن والتعاسة بل لأن زيادة وعينا يجعلنا ندرك حقيقة الواقع البائس الذى نعيشه بشكل أكثر عمقًا.. ذلك الواقع الذى لم يسع بقيته بالمثل إلى المعرفة والاكتمال ولو فعلوا لما تألمنا لحالهم.. ثم أليس عمق إدراكنا لواقعنا وتلمسنا لمشاكله وجذورها الحقيقية هو ما سيساعدنا على رفعها وإصلاحها بشكل أكثر واقعية؟ ألا يدفعنا ذلك إلى العمل على مساعدة الغير ورفع آلام الجهل والظلم عنهم فيتكامل المجتمع؟! هل كان بقاؤنا حائرين وغارقين فى غياهب الجهل سيغير من حال واقعنا المؤلم شيئًا؟ على العكس كنا سنظل نعانى ألم الجهل والتخبط والحيرة الى الأبد. وهل يرضى من يعتقد فى كون الظلم والقهر جبريًا ومفروضًا عليه وأن لا سبيل لتغييره؟! بالعكس سيظل دائمًا ساخطًا وغاضبًا وسيزيد من ذلك عدم إدراكه لطريق الخلاص والنجاة، ففى داخله سيشعر أنه ولا بد من وجود واقعًا أكثر جمالًا واكتمالًا عليه أن نسعى لتحقيقه..
ثم إن القضية لم تكن أبدًا فى مبدأ التعلق وإنما فيم نتعلق! فنحن نشعر بالخيبة والخذلان بعد تعلقنا بالأشخاص ذلك لأنهم وإن حازوا على بعض وجوه الكمال من جهة لكنهم يفتقرون إليه من جهة أخرى، نتألم عندما نرى فيهم تلك الجوانب من النقص وعدم القدرة على سد حاجتنا كما نرجو ونأمل.. ذلك لأنهم لا فارق بينهم وبيننا فكما نفتقر ونحتاج فهم أيضا بحكم الخلقة والتكوين مثلنا.. من هنا كان ينبغى علينا أن نبحث عما يعوض نقصنا وحاجتنا لدى من يحوز على ذلك الكمال على نحو مطلق، على من لا يعتريه نقص ولا يشوبه شائبة، على من يستطيع جبر ضعفنا وسد حاجتنا من معين لا ينقطع ولا ينضب..
 ******
 الله، واجب الوجود، حائز الكمالات على نحو مطلق من كل الوجوه وأصل كل وجود، ولما كان هو كذلك، فهو بالتبعية مستغنٍ عن كل شىء، فهو الوحيد جل جلاله الذى لا يعتريه نقص ولا تنشأ به حاجة لغيره، هو من حاز على صفات الجمال والكمال ، فلماذا يحتاج إلينا؟ لماذا خلقنا؟
 *****
 لأنه أراد لنا أن نسعد وأن نشعر بلذة القرب والسعادة المطلقة ، نكتمل ونتكامل بأن نستمد منه ما يعيننا على ذلك.  خلقنا لأنه يحبنا..
فهل ما زلنا نتساءل لماذا وجد الحب ووجدت المشاعر؟!
لو انعدم الحب لما وُجدنا.. هكذا بكل بساطة
 *******
 يقول الله فى حديثه القدسى ” لم تسعنى أرضى ولا سمائى.. ولكن وسعنى قلب عبدى المؤمن ” .. فماذا لو لم يخلق الله لنا قلوبًا! أين كانت ستحل صفات الله فينا ؟ وأى شرف يحظى به الإنسان إذا كان قلبه محلًا لله!

كتبت بتاريخ 9/2/2015

نعم أنتِ جميلة ولكن..


تقولين أليس الجمال هبة ومنحة من الله؟! ألم يخلق الله المرأة وأنعم عليها بصفة الجمال من بين مخلوقاته؟! أليس الجمال شيئًا محمودًا؟! أليست النفس تهفو إلى كل جميل وتسعد به؟! فلماذا يجب علىّ اخفاء جمالى؟! لماذا علىّ أن أخجل وأشعر بالحرج من اظهار جمالى وأنوثتى؟!

تقولين إن اهتمامى بتنمية هذا الجمال وابرازه لهو أمرٌ حسن، فهو ما سيجذب الأنظار إلىّ ويجعلنى مطلوبة ويزيد من فرص الزواج، بل إن القبح هو فى تعمد اخفاء هذا الجمال الذى يجردنى من مميزاتى ويحد من فرصى فى تلك الحياة التى أتمناها.

تقولين إن ستر هذا الجمال من خلال الحجاب يؤدى إلى تعطيل قوى المرأة وسجنها وحرمانها من المشاركة الفعالة فى جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. تقولين إن الحجاب هو حجب للمرأة وأنه يتناقض مع ما وهبها الله لها من حرية مثلها مثل سائر بنى البشر، وأن هذا الاحتجاب هو اهدار لحقوقها الإنسانية، وحد من طاقاتها المبدعة الخلاّقة وقدرتها على تنمية استعداداتها وذاتها لتصبح عضوًا فعالا ومنتجًا ومفيدًا فى المجتمع، وأنه أداة لقهر المرأة والتسلط عليها واستضعافها من جانب الرجل واعتبارها كائن يتدنى عنه منزلة فى الحقوق.

تقولين إن هذا الستر لا يمنع عن المرأة ضرر ولا يحقق لها كرامة ولا يمنحها عصمة من الأذى، فمن أضمر فى نفسه الأذى واستولت على نفسه قوى الشهوة والشر لن يفرق بين المحتجبة وغيرها، وكم من امرأة ملتزمة بالستر والحجاب لم تسلم من وقوعها فريسة لأذى المتحرشين!

عزيزتى، تدعين أن الحجاب ليس له مبررات عقلية أو منطقية تدفعك للاعتقاد بضرورته والالتزام به، فتأملى معى تلك القضية الفطرية العقلية البسيطة،
هل تؤمنين بأن الإنسان يختلف حقًا عن الحيوان؟! إن لكل من الحيوان والإنسان نفسًا تتضمن عدة قوى تتحكم فى دوافعه وأفعاله، وإن القوى الشهوية هى أحد تلك القوى، تلك التى تشتمل على جميع ما يشتهيه هذا المخلوق ويرغبه وتتضمن كل نوازعه ورغباته وميوله، حسنًا بدون تلك القوة لن يستقيم حال الإنسان أو الحيوان فبدونها لن يشتهى طعامًا أو شرابًا، ولن ينزع إلى حماية نفسه من الأخطار عندما يشعر بالخوف فيطلب الأمن، ولن يشعر بالانجذاب والتعلق والرغبة فى التواصل مع نظيره من جنسه الآخر مما سيؤدى الى انقطاع نسله وفنائه.

إن تلك الشهوة هى التى تحرك الإرادة مما تخلق الدافع ومن ثم القدرة على الفعل، ولكن تلك الحرية لدى الحيوان هى غير منضبطة فمتى أراد فعل، أما الفارق بين الإنسان والحيوان هو أنه يمتلك تلك المساحة بين الإرادة والفعل، تلك المساحة التى هى العقل والتفكير، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذى يتسائل لماذا؟ هل سيعود علىّ ذلك الفعل بالنفع أم بالضرر؟ وهل يجب فعله الآن أم ينبغى تأخيره لوقت آخر؟ وهل ينبغى فعله بتلك الصورة المحددة أم باستعمال صورة ووسيلة أخرى، وهكذا..
إن وظيفة العقل لدى الإنسان هو أن يتحكم ويضبط تلك القوى الشهوية لديه، تلك القوة ليس مطلوبًا لها أن تصل لحد الإنكار والتجاهل التام فتهلك النفس، وليس مطلوبًا أن يُترك لها العنان بدون قيد أو شرط فتؤدى بصاحبها الى التهتك والانغماس فى طلب حاجات الجسد التى لا تنتهى ولا يوقفها حد، وإنما مطلوب لها أن تستقيم على حد الاعتدال الذى يحقق للنفس نفعها بعيدًا عن التفريط أو الإفراط، تلك فضيلة القوى الشهوية ألا وهى العفة.

عزيزتى، هل تؤمنين أن الأسرة هى أساس وعماد المجتمع؟! فلتتأملى معى قانون العفة وفلسفة الستر التى يحققها هذا الحجاب، إنه لا يهدف إلى إخفاء الجمال وقمع الشهوة ولكنه يريد أن يضبطها ويهذبها لتبقى فى محيط الأسرة والزواج، أما المحيط الاجتماعى العام فيبقى ميدانًا لك ولغيرك للعمل والإنتاج.

نعم أنتِ جميلة، ولديك ميل فطرى وغريزى لإظهار الجمال ولكن، أليس إظهار الجمال والمفاتن تعزيزًا للشهوة وليس تقنينًا لها؟!
نعم ذهب الكثير من المحللون إلى أن الإنسان حريص على ما مُنع، وأن قمع الغرائز يؤدى إلى ألوان من الاضطراب والمرض النفسى، فتصوروا أن رفع القيود هو ما سيجعل الأفراد تشبع رغباتها حتى تعتاد النفس هذه الحال إلى أن تزهد فيها وتنصرف عنها، وهو ما سيميت تلك الغريزة ويحد من أضرارها، ولكن هل للطبيعة الإنسانية حدود! إن اتباعها والتسليم المطلق لها سيؤدى إلى تأجيجها لا إلى اخمادها، وهل يزيد الحطب النار إلا اشتعالًا وتوهجا ؟!

نعم أنتِ جميلة، ولديكِ كامل الحق الإنسانى بالسعى نحو الزواج ولكن، أليس إظهار الجمال والمفاتن يؤدى إلى تمزيق الروابط الأسرية وتفكيكها؟! أليس الاعتياد على العلاقات الحرة دون قيود قد حوّل الزواج إلى تكليف وتقييد؟! هل سيظل كلًا من الرجل والمرأة داخل هذا الإطار حريصين على إسعاد كل منهما الآخر؟!
إن الستر عن الآخرين وسيلة لحفظ كرامة المرأة وشرفها فى بيتها، فالعلاقات ترخص المرأة وتجعلها سلعة رخيصة ومتوفرة فلا تصبح مطلوبة من خلال علاقة الزواج الذى يصاحبه الكلفة والمشقة، فنجد عزوفًا من الرجال عن الزواج الذى أصبح فى نظرهم عبء طالما توفرت لهم مصادر أخرى لاشباع حاجاتهم. إن الزواج فى إطار العفة إنما يكون هو نهاية التقييد والحرمان، بينما هو فى الإطار الحر يعد بداية لهما لا نهاية.

نعم أنتِ جميلة، ولديك كامل الحق الإنسانى فى تنمية قدراتك والإستفادة من مواهبك التى منحك الله إياها فى تحقيق نفع لكِ ولمجتمعك ولكن، أليس التزامك بالستر والعفة فى تعاملك مع الآخرين هو صيانة للمصالح المجتمعية وحفاظًا على التوازن الأخلاقى؟!
إن مفهوم الحجاب يعنى الستر وليس الخفاء والعزلة، وليس المقصود به أن تتوارى المرأة خلف الجدر وتمتنع عن الخروج إلى المجتمع، وغطاء الجسد لا يعوق المرأة عن المشاركة المجتمعية ولا يؤدى إلى تقييد حريتها، كما أن منع المرأة من ممارسة العمل والتفاعل مع المجتمع لا يعد ظلمًا لها وحسب وإنما خيانة للمجتمع ككل، فطالما مُنحت المرأة استعداداً بالتكوين دلّ ذلك على وجود حق طبيعى فى تنشيط وترشيد هذا الاستعداد ولكن، هل يعد الجمال من جملة الاستعدادات الطبيعية مثله مثل الفهم والفكر والذكاء والاستعداد للعمل التى ينبغى للمرأة استثماره؟! هل يكون جمالها وجاذبيتها الموجه للخارج مصدر فاعلية أم مصدر هدم وتعطيل لطاقات المجتمع؟! إن ما يزيد من شرف المرأة ويحفط لها كرامتها هو ألا تُستغل أو تُستهلك فى إضعاف المجتمع وتخريب بناء الأسرة.

نعم أنتِ جميلة، وحجابك ليس وحده مانعًا من تعرض الآخرين لك بالأذى ولكن، من اختص المرأة وحدها بالعفة؟! ماذا لو أمرتى طفلك بأن يمتنع عن تناول نوع معين من الطعام قد ثبت ضرره مما قد يتسبب له فى الأذى، فلم يستمع إليكِ وبادر بمخالفة الأمر، هل تصبح العلّة فى الأمر نفسه من حيث أنه لم يقم بواجبه فى ردع الابن ومن هنا يتوجب عليكِ فى هذه الحال تجاهله أو التنازل عنه؟!
إن الرجل مطالب كما المرأة بمقاومة شهواته، ذلك أنه إذا عمل الرجل على تهذيب نفسه واكتسابه لملكة العفة لأصبح لديه نوع من الشرف الإنسانى ليس فقط تجاه نفسه وأهل بيته وإنما تجاه المجتمع ككل.

إنه قانون الخلق الذى أُنشء وفق حكمة العدل من أجل تحكيم حياة أسرية وإنسانية سليمة تهدف إلى التكامل والإرتقاء.

 نعم أنتِ جميلة ولكن، إن جمال الروح المنطبع عن عفتك ووقارك وعزتك سيشرق عليكِ بهاءًا وجمالًا وكمالًا أضعاف ما سيخلّفه عليكِ جمال الجسد.

كتبت بتاريخ 1/5/2016

فى مسألة القيادة والاتباع


فى عصرنا الحاضر وفى مجتمعاتنا وخاصة بعد تعرضها لكثير من الأحداث السياسية والمجتمعية فى السنوات الأخيرة، تعالت الكثير من الآراء التى وجدت طريقها للاستحسان والاعتقاد لدى الكثيرين عن عدم ضرورة وجود قيادة للمجتمع توجهه وتقوم بإرشاده، بل تعدى ذلك إلى وصفها بالميزة التى لا تجعل الأفراد خاضعين لتصورات أو أحكام أشخاص أو جماعات معينة وتزامن ذلك مع الدعوات المستمرة والملحة فى تعظيم قيمة الحريات الشخصية والفردية والدعوة للخروج خارج أى نطاق للسيطرة والتبعية المجتمعية تريد له توجيهه كيفما تشاء أو تفرض عليه قوانينها وآرائها الخاصة.
ولا يخفى علينا أن مصدر تلك الدعوات قد نمت وعلا صوتها بشدة عندما شاهد أفراد المجتمع شياع وانتشار مظاهر الفساد والظلم المجتمعى نتيجة لوضع ثقته واتباعه لأقوام أو جماعات كان يظن فيها العدالة والرشاد فإذا به يكتشف أنه سلم قياده لمجموعة من النخب الفاسدة من الظالمين والطغاة وأصحاب المصالح الخاصة، وزادت حدة المسألة عندما أصبحنا نواجه الكثير من الأفكار والعقائد المتطرفة التى تدعى لنفسها أحقية القيادة وتحاول فرض مفاهيمها وتوجهاتها على المجتمعات بالقوة، وتبلورت المسألة حتى وصلت لصورة نمطية فكرية خاطئة تحمل مظاهر للتعميم والثنائية مفادها رفض قضية القيادة وقضية الاتباع كليًا وصار هناك نفورًا عامًا وإنكارًا لتلك المبادئ وكأن لسان الحال يقول أن تلك النتيجة حتمية وستؤول إلى نفس نتائجها السلبية مهما كانت طبيعة القيادة وطالما كان هناك تسليم واتباع، إذن فلنحيا هكذا أفرادًا وليتبع كل فرد ما شاء من قواعد وضوابط يراها صالحة بنفسه.
من أجل هذا الغرض نحاول تحليل مدى صحة تلك الدعوات من عدمها والبحث وراء مفهومين فى غاية الأهمية، ألا وهما مفهوما القيادة وما يترتب عليها من مفهوم التبعية أو الاتباع، فهل تعتبر فعلا مسألة القيادة مسألة غير ضرورية ويستطيع المجتمع أن يعيش ويتحرك ويتطلع إلى تحقيق النهضة والاكتمال بدونها؟ وهل مسألة الاتباع مكروهة ومرفوضة بالجملة؟ وما هى الشروط المطلوب تحققها فيهما إذا توصلنا لضرورتهما وأهميتهما؟
فى مسألة القيادة:
مقدمة أولى:
إن الإنسان بطبعه لديه ميل فطرى وغريزى نحو التكامل لأن يكون إنسانًا أفضل وأحسن، وهو فى سعى دائم نحو بلوغ السعادة، هذا الإنسان سيتوجه بشكل طبيعى وفطرى نحو البحث عن أسباب تلك السعادة ليعمل على الأخذ بها وتحقيقها، ولما كان الإنسان جاهلًا بذاته وفقيرًا بذاته فهو لا يولد عالمًا وقادرًا بل يحتاج لتحصيل العلم وامتلاك أسباب القدرة، ومن ضمن ذلك العلم معرفة أسباب السعادة الحقيقية وامتلاك القدرة على تحقيقها، لذا فهو فى حاجة للمعلم والمرشد والموجه بالإضافة إلى حاجته للوسائل والأدوات التى تعينه على فرض وتحقيق أسباب السعادة والتكامل.
مقدمة ثانية:
الإنسان اجتماعى (مدنى) بطبعه، فلا يوجد إنسان يستطيع أن يقوم على توفير احتياجاته المادية منها أو حتى المعنوية بشكل منفرد وبدون تدبير ومعاونة غيره من أفراد المجتمع، وذلك نتيجة لوجود الفوارق الشخصية والفردية بين الناس مما يجعل كل فرد – مهما بلغت قدرته وطاقته – قادرًا على التخصص فى أمر ما يجيده ويحسنه وغير قادر على الإتيان بكل الأمور جميعها وإتقانها معًا، لذلك فهو فى حاجة إلى المجتمع الذي يتعاون أفراده من أجل سد حاجات بعضهم بعضا، فنجد المجتمع يحتاج للمزارع والمعلم والطبيب والمهندس والمخترع وهكذا.
نتيجة:
ثبت من تلك المقدمتين أن كل فرد يحتاج لغيره، ويحتاج لتكوين علاقات مع غيره من أفراد المجتمع من أجل تحصيل كمالاته المادية والمعنوية، ولما كان الخير يطلب لذاته، كان طبيعيًا أن يسعى كل فرد لتحصيل ذلك الخير حتى لو كان على حساب غيره فهو يسعى للحصول على أكبر قدر متوفر ومتحقق منه، كما أن كل فرد قد يرى العدل فيما كان حقًا له ويرى الظلم فيما كان واجبًا منه تجاه الآخرين، مما سيؤدى إلى التنازع والتزاحم والتضارب فيما بين أفراد المجتمع ومصالحهم وإلى حدوث الفساد والفوضى وبالتالى لا يتحقق الغرض المطلوب أصلًا من قيام المجتمع من تأمين المنافع للأفراد.
من أجل ذلك أصبح المجتمع يحتاج إلى أن يحدد حاجاته لأن عدم رعاية الحدود سيؤدى لا محالة إلى التصادم مما يهدد الحياة الاجتماعية نفسها ويتحول المجتمع إلى نقمة لا نعمة، بما يعنى الحاجة إلى نظام مجتمعى قادر على توفير وسائل السعادة والتكامل فى المجتمع ككل، وتنظيم شؤون الناس وتوفير بيئة مناسبة للجميع بدون اعتداء أحد على حق الآخر وبدون أن يأخذ ما ليس حقًا له، باختصار أصبح المجتمع يحتاج إلى النظام العادل القادر على تحقيق التكامل المجتمعى والرشد الأخلاقى والانتصاف والإيثار بين جميع أفراده والذى يصعب بل يستحيل تحقيقه دون نظام يجمع أمرهم فى المصالح العامة، ذلك أن تحرك الإنسان الفرد وسعيه إلى الكمال لن يستقيم لكل فرد بخصوصه، بل يحتاج إلى منظومة مجتمعية تعمل على تحقيق ذلك لكل أفراد المجتمع بشكل منظم وشامل، وهو ما لا يختص به عصر دون آخر وليس محدودًا بزمان أو مكان معين بل إن المجتمعات البشرية كافة على مدار التاريخ تحتاج إلى هذا النظام.
يقول ابن سينا (من المعلوم أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لايحسن معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا، يتولى تدبير أمره من غير شريك يعاونه على ضرورات حاجاته، وأنه لا بد أن يكون الإنسان مكفيا بآخر من نوعه، يكون ذلك الآخر مكفيا به وبنظيره، فيكون مثلا هذا ينقل إلى ذلك، وذلك يخبز لهذا وهذا يخيط للآخر والآخر يتخذ الإبرة لهذا، حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا، ولهذا ما اضطروا إلى عقد المدن والاجتماعات..
وإذا كان هذا ظاهرا، فلابد فى وجود الإنسان وبقائه من مشاركة، ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة، كما لا بد فى ذلك من سائر الأسباب التى تكون له، ولابد فى المعاملة من سنة وعدل. ولابد للسنة والعدل من سان ومعدل، ولابد أن يكون هذا بحيث يجوز أن يخاطب الناس ويلزمهم السنة، ولا بد من أن يكون هذا إنسانا. ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم فى ذلك، فيختلفون ويرى كل منهم ماله عدلا وماعليه ظلم).[1]
ويؤكد على هذا المعنى ما ذكره الفارابى فى كتابه السياسة المدنية فيقول (والإنسان من الأنواع التى لا يمكن أن يتم لها الضرورى من أمورها ولا تنال الأفضل من أحوالها إلا باجتماع جماعات منها كثيرة فى مسكن واحد. والجماعات الإنسانية منها عظمى ومنها وسطى ومنها صغرى. والجماعة العظمى هى جماعة أمم كثيرة تجتمع وتتعاون. والوسطى هى الأمة والصغرى هى التى تحوزها المدينة.. وهذه الثلاثة هى الجماعات الكاملة.. فالمدينة هى أول مراتب الكمالات).[2]
من أجل ذلك أصبح يبدو بديهيًا أيضّا أن هذا النظام يحتاج إلى قائد ومنظّم قادر على إدارة هذا المجتمع بما يؤدى به إلى كماله ويحقق فيه العدالة، والحديث هنا ليس عن شكل هذا القائد فردًا كان أو حكومة أو نظام سياسى بعينه فذلك ربما يحتاج إلى بحث من نوع آخر، ولكن تكفى إثبات أهمية الحاجة إلى وجود قيادة ما، وبالتالى إسقاط الدعوات التى تحث على الفردية وإنكار النظم المجتمعية.
صفات القيادة:
أن هذه القيادة أيًا ما كانت تحتاج أن تتوفر فيها عدة صفات تجعلها قادرة على أداء مهمتها من إدارة وضبط المجتمع، هذه الصفات يمكن استنتاجها مما سبق فى أنها تحتاج إلى:
  • العلم بما كان فيه صلاح وفساد المجتمع وبما يحقق له العدالة ويرفع عنه الظلم.
  • توفر الصفات الأخلاقية والعدالة والنزاهة فيمن يقوم على تطبيق القوانين وإدارة المجتمع حتى لا يجنح بالأمر إلى استغلاله من أجل مصالح خاصة دون سائر المجتمع
  • القدرة الإدارية والكفاءة فى القيام بالأمر بما تشمله من خبرات إدارية وسياسية واجتماعية وغيرها مما يساهم على تحقيق الهدف على أكمل وجه.
إن افتقاد أى من الشروط السابقة يفقد تلك القيادة شرطًا من أهم شروطها، فكيف يستقيم أن يقوم على الأمر من كان جاهلًا به أو عاجزًا عن تطبيقه! ولا يكفى توفر الشرط الأول بالعلم بما ينبغى أن يكون، بل إن وجود الشخص أو الجهة القادرة على تطبيق القوانين العادلة فى المجتمع بشكل صحيح وشامل هو أيضًا ضرورة، لذلك كانت الحاجة إلى الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله لهداية البشر إلى طريق العدل والصلاح ليكونوا بمثابة النور والمصباح الذى ينير الطريق فى ظل العتمة والظلام. فلم يكن النبى مجرد مبلّغ أو مفسر لشريعة الله وقوانينه – وهو الأعلم بما فيه فساد وصلاح المجتمع – إنما كان قائمًا على تنفيذها وإدارة المجتمع العادل من خلالها.
يقول الله سبحانه فى كتابه الكريم (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). [3]
والخلاصة أن من ينكر ضرورة وجود مجتمع ونظام وقيادة إنما يرجع أمره فى الحقيقة إلى أنه إنما يريد الحرية المطلقة دون حساب أو قيد، أو أنه من فئة الفاسدين والطغاة الذين لا يرغبون فى وجود نظام يقوم على المساءلة والحساب، أو إلى أشخاص عانوا من ظلم القيادات الجائرة فتحول الأمر لديهم إلى إنكار مفهوم القيادة بالكامل ورفضها. ومسألة القيادة وشروطها ترقى لكونها أمرًا عقلائيًا بديهيًا يحكم العقل الفطرى بضرورته وهو ما نراه يحدث حولنا طول الوقت من رفض عامة الناس والشعوب للقيادات والنخب الجاهلة أو الظالمة أو العاجزة عن القيام على أمرها ولكن حدثت المشكلة عندما لم يتم التفرقة بين رفض النموذج وبين رفض المبدأ فى ذاته، وتصح الدعوة عندما يتم  تحديد أوجه الرفض فيمن لا تتوافر فيه الشروط والدعوة إلى ضرورة البحث عمن هو خير تمثيل لها لا إلى إنكارها تمامًا.
فى مسألة الاتباع:
تأتى مسألة التبعية والاتباع كنتيجة منطقية أيضًا لمسألة القيادة، فطالما توفر ذلك النموذج الصحيح للقيادة أصبح من المنطقى على المجتمع توليه واتباعه طالما ظل محتفظًا بشروطه وصفاته، ولو حدث أن حاد أو انحرف عنه أو طرأ عليه أى تغير أو تبدّل، وجب على هذا المجتمع العاقل أن يبحث عن غيره ممن تنطبق عليه الشروط التى أقرها العقل والتى تحكم بعدالة القائد وعلمه ومصداقيته.
فالاتباع المرفوض هو ما لم تتحقق فيه الشروط وإلا تحول إلى انسحاق وتبعية ظالمة أو انقياد أعمى، وفى ظل انحسار تلك النماذج، يصبح على كل فرد عاقل مكلف أن يبحث عمن يمكن له اتباعه وعن الأمة أو الجماعة الصالحة، فلن يرفع عنه العذر رفضه لأى قيادة بالجملة واتباع الأهواء والرغبات الشخصية، ولا من جهة أخرى تبعيته العمياء لأى ما كان من موروثات أو عقائد أو توجهات أو أفكار غير مبرهن على صحتها أو صدورها ممن لا يمثل مصدر العدالة والعلم، ليصبح المعيار هو الاتباع والانقياد العاقل المبنى على وعى وبصيرة لا رفض الاتباع المطلق.
كما أنه فى حال تعذر إيجاد تلك الأمة أو انتفائها يصبح على كل فرد أن يبدأ بنفسه وأن يجعل من نفسه هو نموذج الأمة الصالحة للقيادة والاتباع. ولنا فى النبى ابراهيم عبرة عندما أعمل عقله فيما حوله ورفض اتباع الآباء والموروث واهتدى إلى طريق الحق فبدأ بنفسه. يقول الله جل وعلا (إن إبراهيم كان أمّة قانتا).[4]
[1]  النجاة فى الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، الشيخ الرئيس ابن سينا، تقديم : د.ماجد فخرى، ط دار الآفاق الجديدة بيروت صـ 338،  339
[2]  السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات، الفارابى، المطبعة الكاثوليكية  صـ 69
[3]  قرآن كريم، سورة الحديد الآية 25
[4]  قرآن كريم، سورة النحل الآية 120

كتبت بتاريخ 14/8/2015