Monday, April 1, 2019

الصهيونية فى فكر المسيري


يدور البحث حول أعمال الدكتور عبد الوهاب المسيرى عن قضية الصهيونية كما تناولها الدكتور المسيرى فى مؤلفاته، مع التركيز على الجوانب والملامح الفكرية التى شكلت رؤية وهوية الصهيونية والقاء الضوء على علاقتها وابراز كونها جزء لا يتجزأ من الاستعمار الغربى على شعوب منطقتنا


أولا: النشأة التاريخية للفكر الصهيونى

ظهر الفكر الصهيونى كوليد لأزمة تعلقت بوضع اليهود فى شرق أوروبا، وهى التى عرفت باسم (المسألة اليهودية)، بدأت بوادر هذه الأزمة فى عصر النهضة فى أوروبا (1300 م – 1500 م) أو ما سمى بعصر التنوير ودخول أوروبا فى عصر جديد يتسم بسمات فكرية وايدولوجية معينة وقد أثر ذلك على المجتمع وخاصة فئة الأقليات فيه والتى كانت الأقلية اليهودية جزء منها ، ونظرًا لعدة عوامل وأسباب اختصت بها تلك الاقلية اليهودية نشأت تلك الأزمة.
وتعود البداية للعصور الوسطى فى أوروبا – ما قبل عصر التنوير- فى الوقت الذى كانت فيه الأقلية اليهودية فى أوروبا تعيش فى عزلة دينية أما اجتماعيًا واقتصاديًا فكانت تتحلى بوضع مميز يمكن اجمال ذلك فى الآتى:

أولا: أسباب العزلة الدينية:
o        وجود اعتقاد دينى لدى اليهود بأنهم شعب الله المختار الذى ينتمى للأمة المقدسة.
ففى  سفر اللاويين نجد المقولة "أنا الرب آلهكم الذى ميزكم عن الشعوب وتكونوا لى قديسين لأنى قدوس أنا الرب. وقد ميزتكم عن الشعوب لتكونوا لى" [1]

o        الطقوس الدينية لليهود التى منعتهم من الاختلاط مثل الأكل وتحريم الزواج المختلط والختان واحتفال السبت.. الخ
o        اعتقادهم فى عقيدة الماشيح وهو الملك من نسل داود الذى سيأتى فى نهاية التاريخ ليجمع شتات اليهود المنفيين ويعود بهم للأرض المقدسة ويحطم أعداء اسرائيل ويجعل اورشليم عاصمة له ويعيد بناء الهيكل، وقد أضعفت العقيدة من انتمائهم لأى حضارة وزادت من عزلتهم.

ثانيا: موقعم الاجتماعي والاقتصادي:
كانت أوروبا تعيش فى عصر الاقطاع الذى كان يتميز بتقسيم هرمى صارم، كانت الجماعات اليهودية فيه عبارة عن جماعة وظيفية مالية تابعة للطبقة الحاكمة مما كان له تميز فى وضعهم الاقتصادى بسبب:
o     كونهم حلقة الوصل الوحيدة بين العالمين الاسلامى والمسيحى نتيجة اختلاف الشرائع بينهما مما أدى لصعوبة التبادل التجارى بينهما
o      وجودهم كأقلية دينية داخل المجتمع الاقطاعى المسيحى وعادة ما كانت المجتمعات الزراعية توكل مهمة التاجر الى اقلية تقف على حواف المجتمع .
o     عملهم بالتجارة والأعمال المصرفية التى جعلتهم لا يشعرون بالاستقرار والارتباط بالأرض، على عكس الفلاح
o     كما ان شبكة الاتصالات اليهودية الواسعة التى كانت تغطى كل البحر المتوسط واجزاء اخرى من العالم القديم كانت تشكل ما يشبه النظام الائتمانى العالمى الامر الذى يسر اشتغالهم بالتجارة الدولية والمحلية

ومع انهيار المجتمع الاقطاعى وبداية عصر التنوير بدأ اعضاء الجماعات اليهودية يفقدون وظيفتهم الاساسية وبدلا من ان يلعبوا دورا مثمرا وجدوا انفسهم عبئا حقيقيا على المجتمع . وهو ما أفرز بما سمى بالمسألة اليهودية[2]. فمع بداية عصر التنوير وبدء التغير الحادث فى فكر المجتمع الأوروبى الغربى، بدأت اوروبا تخوض تحولات اقتصادية وحضارية عميقة كانت تقوم على:
o        فصل الدين عن الدولة (العلمانية) بسبب الأزمات التى عانت منها بسبب الاستبداد الكنسى باسم النص الدينى فى العصور المظلمة
o        بدأ السعى لانهاء الفوارق بين طبقات المجتمع
o        محاولة تحقيق اندماج حضارى واقتصادى بين هذه الطبقات
o        الاستفادة من الأقليات الممثلة لقوة اقتصادية بغض النظر عن الاختلافات الدينية

وبالتالى بدأت عملية لمحاولة دمج اليهود (المنعزلين) فى مجتمعاتهم (حركة الانعتاق) على سبيل المثال:
o        بدأ صدور كثير من القوانين للحد من أعمالهم الاقتصادية (الربا) المتسبب فى الكثير من المشاكل الاقتصادية والمتعارض مع السياسة الاقتصادية الرأسمالية الجديدة (تحديد سعر الفائدة .. الخ)
o        قوانين منع بيع الخمور والحصول على امتيازات من جمع الضرائب
o        الغاء سلطة مؤسساتهم الدينية
o        منع التمييز الدينى المتمثل فى ارتداء زى مميز.. الخ
o        الزامهم بتعليم اجبارى (يهتم بتدريس العلوم الطبيعية على حساب العلوم الدينية)
o        فرض لغة واحدة

ومن الملاحظ أن هذه الحركة طالبتهم بالتخلى عن عزلتهم وولاءهم لأرض الميعاد فى مقابل أن يصبحوا مواطنين من الدرجة الأولى، وأن يكون الانتماء والولاء للبلاد وليس للاعتقاد الدينى أو القومية الدينية التى لا تستند لسند علمى أو موضوعى، يقول أحد المتحدثين باسم الثورة الفرنسية " كل شىء لليهود أفرادا ولا شىء لليهود الشعب، فنحن لا يمكن أن يكون عندنا أمة داخل أمة"[3]

وبناء على ذلك فقد انقسم اليهود فى أوروبا الى قسمين:
o        (يهود الغرب) الذين آمنوا بحركة التنوير اليهودية وكانت فى أساسها حركة ثقافية ألمانية، واستفادوا بهذه التشريعات وانخرطوا فى المجتمع وزادت ثرواتهم وعملوا واستثمروا فى الصناعات الكبرى ونشأت منهم طبقة المثقفين ممن عملوا فى الطب والمحاماة والهندسة والصحافة، كما عملوا على نشر الفكر العلمانى بين اليهود ومحاربة المؤسسات الدينية وقامت الحكومات بدعمهم، بالاضافة الى قيام حركات اصلاحية لاعادة تفسير النصوص الدينية من منظور عقلى ورفض فكرة شعب الله المختار التى أدت الى الانعزال.
o        (يهود الشرق)  وهم أصحاب الفكر المحافظ - الذى كان نشأة للفكر الصهيونى فيما بعد - المقاوم لحركة التنوير حيث رأوا أن فكر التنوير فيه دعوة واضحة للتخلى عن الهوية اليهودية ، ووصفوا أى فكر معادى للاستقلالية اليهودية بانه معادى للسامية لمجرد أنه معادى لأسلوب الحياة الذى اختاره اليهود.

وقد وضع هذا الفكر المحافظ القضية قيد ثنائية، اما الاندماج والانصهار الكامل واما الانفصال الكامل عن المجتمع، وهو ما شكل البادرة للدعوة الى الهجرة الى أرض أجدادهم حيث تستطيع الأجيال القادمة أن تحيا حياة قومية طبيعية.


من نتائج ذلك أن فشلت محاولات الدمج وخاصة فى شرق أوروبا (روسيا ) كما أدى ذلك الى تعاطف يهود الغرب المندمجين مع يهود شرق أوروبا المضطهدين ورغبتهم فى مساعدتهم ، وخاصة عندما بدأت قيادات اليهود فى الغرب تشعر بازعاج شديد وتهديد لفقدان مواقعها الطبقية والحضارية مع عودة المحاولات لتذكيرهم بأصولهم وطقوسهم الدينية التى تخلوا عنها ، فكان الحل فى تقديم يهود الغرب ايضا وتبنيهم للصهيونية كحل لعلاج مشاكل اليهود ولتوجيه هجرتهم الى مكان آخر بعيد عن أوروبا.

ومن الملاحظ ان فكر التنوير لم يكن موجه  لليهود فقط بل لكل الأقليات ولم يعادى الدين اليهودى فحسب بل كل الاديان. كما أن ايمان يهود الغرب بالصهيونية لم يكن ايمانا عقائديًا وانما ايمانًا عمليًا جزئيًا حيث أن اعتقادهم الرئيسى كان منسجمًا مع فكر التنوير العقلانى الذى ساد أوروبا. أيضًا فان اليهودية ليست هى السبب المباشر لظهور الفكرة الصهيونية ولكنه المناخ الدينى الذى أوجدته اليهودية والذى خلق لديهم استعداد للتأثر بأفكار سياسية معينة فكان ارتباطًا اختياريًا اختاروه لأنفسهم ولم يفرض عليهم. فالجوهر الأخلاقي للدين اليهودى لم يكن المشكلة وانما الطقوس الدينية التى فرضوها على أنفسهم واكسبتهم هويتهم القومية اليهودية.

يقول المفكر الالمانى والزعيم الصهيونى ماكس نوردو (1849 – 1923) " كانت كل العادات وأنماط السلوك اليهودية تهدف دون وعى الى شىء واحد، الحفاظ على اليهودية وذلك بعدم الاختلاط بالأغيار حتى تحافظ على المجتمع اليهودى، ولتستمر فى تذكير الفرد اليهودى بانه سيفقد ويهلك إن هو تخلى عن شخصيته الفريدة، وهذا الدافع نحو الانفصال عن الغير كان منبع كل قوانين الطقوس الدينية التى كان اليهودى يعتبرها – عادة – فى مرتبة ايمانه ذاته "[4][5] كما يقول المفكر الالمانى الصهيونى موسى هس[6] (1812- 1875) " إن حركة التنوير نادت بعدم الايمان بقوميتنا أساسا للدين اليهودى . فليس غريبا اذن ألا تؤدى هذه الاصلاحات الا الى عدم الاكتراث باليهودية والتحول الى المسيحية" [7][8]

وتكمن الخلاصة فى مساهمة حركة التنوير فى ظهور الصهيونية بشكل غير مباشر كرد فعل مضاد لحركة التنوير، بالاضافة الى أن الهجوم من قبل مفكرى التنوير والدعوة بالكف عن الانتظار السلبى وعلى ضرورة السعى للخلاص بأنفسهم هى التى قادت اليهود المضادين لحركة التنوير على السعى للعودة الى أرض الميعاد فحدث ذلك تحت مظلة المنظمة الصهيونية العالمية والقوى الامبريالية والعنف المباشر.



ثانيا: السمات الفكرية للرؤية الصهيونية وأصولها الغربية

ظهرت بعض الرؤى الفكرية التى كانت نتاجًا للفكر والفلسفة المادية الحديثة للحضارة الغربية أمثال الرومانسية والداروينية والنتشوية، وقد تأثرت الصهيونية بتلك الأفكار وأدت الى تحديد الاطار الفكرى للصهاينة .

أولا: الرومانسية:
بعد أن ساد فكر حركة التنوير فى أوروبا الذى يهدف الى العقلانية المتمثلة فى قدرة العقل التجريبى على اكتشاف الواقع المادى والقائمة على محورية الانسان وقدرته على تنظيم شئون حياته بنفسه، ساد الفكر الرومانسى كرد فعل على هذا الفكر وهو ما يعنى العودة الى البساطة وعدم التعقيد أو العودة للجذور والتقاليد القديمة أو للطبيعة ما قبل العالم  الصناعى.

وقد تبنى الصهاينة المفهوم الرومانسى  الداعى لتحطيم الحدود والعودة للأصول الانسانية التى تضم كل البشر ليبرروا به تمركز الصهيونية حول نفسها، وبالتالى تحولت صورة العودة الرومانسية المجازية الى برنامج لاغتصاب الأرض بعد أن حملت مضمونًا حرفيًا عنصريًا رجعيًا متطرفًا. ومن الأفكار الأساسية فى الفكر الرومانسى كانت فكرة الوحدة العضوية بين كل الأشياء والظواهر وهى فكرة أساسية فى التفكير الرحعى المحافظ وهو ما يعنى ارتباط الانسان بتراثه العضوى ارتباطًا عميقًا، فالتصور الصهيونى لعلاقة اليهودى بأرضه يرى أن اليهودى الذى لا يعيش على أرض الميعاد سيعيش منفيا منقسما على نفسه وممزقا وموزع الولاء. وهى العلاقة الداخلية الصوفية التى تستعصى على الفهم التجريبى العادى. وهذا المفهوم العضوى للشعب اليهودى هو ما يضفى القداسة والمطلقية عليه التى يستمدها من ذاته. كما ارتبط ذلك بمفهوم آخر هو الشعب العضوى المنبوذ بعد أن كانت تشكل الجماعة اليهودية جماعة وظيفية متماسكة مكتفية بذاتها ولكنها فقدت وظيفتها فتم نبذها، وهو المفهوم الوحيد المشترك بين الصهاينة وأعداء اليهود.

ثانيا: الداروينية:
من تبديات الفكر الرومانسى ايضًا الفلسفة الداروينية التى تطالب بالعودة للطبيعة واتخاذها معيارا وحيدا يقيس به الانسان نظمه الأخلاقية والمعرفية، وجوهر المنظومة الداروينية أن "العالم فى حالة تطور وتغير مستمر الى الأرقى من خلال آلية التغير وهى الصراع الذى دائما ما يحسم للأقوى لذلك فالبقاء ليس للأصلح أخلاقيا وانما للأقوى ماديا." وهو ما ترجم فى الفكر الصهيونى المعتمد على منطق حق القوة اعتمادا على القوة العسكرية والأيدولوجية وعلى قداسة حقوقهم فى الأرض التى تجّب حقوق الآخرين وبالتالى فمن حقهم ذبح الفلسطينين وابادتهم والاستيلاء على أراضيهم وهو الأمور الشرعية تماما من منظور داروينى علمانى متطرف.

ثالثا: النتشوية:
ظهرت النتيشوية كأحد التبديات الأخرى والتى بنيت على فلسفة نيتشه[9]، وهى تعبير عن الرؤية الداروينية للواقع، وقد تأثر بها مؤسسى الحركة الصهيونية نتيجة تأثرهم بالحضارة والثقافة الالمانية، وقد عرف نيتشه الإنسان النبيل بأنه " فى جوهره تجسيد لإرادة القوة " ، وهذا المعيار (حق القوة) هو ما اتخذه لرفض القوانين الأخلاقية التى تضطر البشر للخضوع الى الضعفاء والتخلى عن واجبهم نحو تطوير قدراتهم الشخصية مما سيعطل مسيرة التطور ويؤدى الى توقف الجنس البشرى ككل عن الرقى.  وهو ما ظهر فى فلسفته السياسية المبنية على "حكم الطغاة". وبهذا فقط أعاد نتيشه تعريف الأخلاق بأن الرجل الخير هو الرجل القوى (السوبرمان/ الانسان الأعلى) الذى يحاول أن يتسيد عالمه دون شفقة على أحد وما الآخرين من المخلوقات الدنيئة الا بمثابة السلم ، وقد حرّف بذلك فلسفة الأخلاق والقيم الأخلاقية من حقيقتها التى هى تحقيق السعادة للأفراد الى خلق نموذج السوبرمان للفرد المختار من البشر .

وكان تأثر الصهاينة قويًا بتلك الأفكار حيث وجدوا أن الفلسفة النيتشوية العامة تنطبق عليهم كيهود فلم يعترضوا على جوهر النتشوية الرافضة للمساواة والتسامح بل اعترضوا على الصبغة الآرية فحسب، وقرنوا الفكر النتشوى بالقومية اليهودية، ورأوا أنه اذا كان الهدف من الوجود هو ظهور الانسان السوبرمان فإن ظهوره رهن بظهور السوبر أمة[10]، ويمكن القول أن ما صنعه الصهاينة هو أنهم صبغوا الفكرة بالتجلى الذى يريدونه ويعتقدون فيه بالفعل فآمنوا بأن الطائفة أو العرق الذى ينتمون اليه هو النموذج التطبيقى العملى للفكرة وأنهم هم من يملكون العنصر المتفوق على غيرهم لما يملكونه من صفات عضوية ذاتية فيهم .



ثالثا: علاقة الاستعمار الصهيونى بالاستعمار الغربى

مثلما كانت المسألة اليهودية جزءا لا يتجزأ من التحولات الاجتماعية التى خاضتها أوروبا فى عصر النهضة، فالصهيونية التى طرحت نفسها حلا للمسألة اليهودية كانت جزءا لا يتجزأ من الاستعمارية الغربية ويمكن اجمال العلاقة بين الاستعمار الصهيونى والغربى بأنها علاقة اشتباك وتلاقى مصالح بين الامبريالية الغربية والاستعمار الصهيونى.

ففى بداية عصر الاستعمار الغربى فى القرن ال 19 كان مسرح الاستعمار هو آسيا وأفريقيا من قبل فرنسا وبريطانيا وغيرها من دول أوروبا وكان هدفه تصدير مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية للشرق باقامة مستعمرات وفتح أسواق لبضائعهم وفرص استثمار لأموالهم والبحث عن المواد الخام للصناعة بالاضافة الى الحصول على مستعمرات للاستيطان لاستيعاب الفائض السكانى للوطن الأم ، وايضا استعمال المستعمرات كقاعدة لعمليات الاستعمار التقليدى ضد الدول المجاورة، كما أنها غيرت البنية الاجتماعية لهذه المجتمعات كى تصبح جزءا تابعا للحقبة الصناعية الرأسمالية الامبريالية، وقد ساعد على ذلك ايضًا انهيار الامبراطورية العثمانية والترقب الأوروبى للاستيلاء عليها كجزء من المنافسة بين الدول الأوروبية لاحتكار الأسواق. وقد جاء اختيار فلسطين لأكثر من بعد منها البعد الدينى المثالى والآخر الاستعمارى السياسى حيث كانت تقع فى القلب من الامبراطورية العثمانية وفى طريق تجارة الهند.

تناولت الكثير من الشواهد تاريخية  الدلائل على أن كثيرًا من أصحاب الفكر الصهيونى كانوا من غير اليهود وذلك لأطماعهم الاستعمارية فيقول الزعيم الصهيونى حاييم وايزمان[11] (1846 -1952) أن بعض كبار القواد العسكريين مثل يوليوس قيصر والاسكندر ونابليون قد أدركوا أهمية فلسطين بالنسبة لخططهم الشرقية وأنهم لهذا السبب كانوا موالين لليهود فى سياستهم الخارجية بشكل ملحوظ. وقد وجه نابليون الى كل يهود آسيا وأفريقيا فى 20 أبريل 1799 يحثهم على السير وراء القيادة الفرنسية لاستعادة بيت المقدس وعودة اليهود الى أرضهم المقدسة اذا ساعدوا قواته ، وهى الدعوات الاستعمارية المغلفة بالشعارات الدينية لقطع الطريق للهند أمام بريطانيا. كما قرر اللورد بالمرستون (1784 – 1865) الذى كان يشغل منصب وزير خارجية بريطانيا أن يستغل اليهود فى قمع العرب فأرسل الى السفير البريطانى فى استنابول فى 1840 رسالة قال فيها "اذا عاد أفراد الشعب اليهودى الى فلسطين تحت حماية السلطان العثمانى أو بدعوة منه فانهم سيقومون بكبح جماح أى مخططات شريرة قد يديرها محمد على أو من سيخلفه فى المستقبل " [12]

ولذلك يمكن القول أن الاستراتيجية الصهيونية قد قامت على محورين:

أولا: الهجوم على اليهود أنفسهم
و الدليل على ما ذلك هو ما قوبلت به الصهيونية من معارضة شديدة من غالبية اليهود، فحتى بعد اكتمال الفكرة والنسق الأيدولوجى على يد هرتزل والمفكرين الصهاينة الروس ومنظرى اليسار واليمين[13] الصهيونيين، فقد ظلت مجرد فكرة لا تسندها جماهير يهودية أو غير يهودية ولا أى مصدر للقوة، فكانت استراتيجية الصهاينة أن يقوموا بدور الوسيط بين القوى الاستعمارية من جهة واليهود من جهة فيقول وايزمان " اذا دخلت فلسطين فى نطاق النفوذ البريطانى واذا شجعت بريطانيا عملية استيطان اليهود هناك وأصبحت دولة خاضعة لبريطانيا فسيصبح هناك خلال عشرين الى ثلاثين عاما مليون يهودى يقومون بخدمة المصالح الامبريالية"[14] فكان ينظر الى مشروع الاستيطان الصهيونى فى ضوء المصالح الامبريالية.

ثانيا: عمالة الدولة الصهيونية للغرب
وهو ما اعتمد عليه هرتزل فى مخاطبة ومغازلة الدول الاستعمارية الكبرى كفرنسا وبلجيكا والمانيا والامبراطورية العثمانية نفسها حتى استقر على انجلترا محاولا اظهار الفوائد التى ستعود عليهم من وجود "مستعمرة" أو "ولاية" لهم فى المنطقة[15] لحماية مصالحهم ، مستخدما التهديد الشيوعى للاتحاد السوفيتى وظهور القومية العربية وتطلعات العرب نحو الوحدة وما سيتبع ذلك من سيطرة على قناة السويس فكانت ضرورة وجود حليف موثوق به ولأن المنطقة العربية تحتوى على عوامل جذب قومية مختلفة ستجعل العرب آجلا أو آجلا يجتمعون عليها ويسعون للاستقلال عن النفوذ الغربى فكان لا بد من وجود شرطى تأديب ومصدر يعمل على الحيلولة دون وحدتهم وقوتهم، كما أن الاحتفاظ باسرائيل كقاعدة للمصالح الغربية هى عملية غير مكلفة بالقياس لأى عملية بديلة . يقول وايزمان فى خطابه لتشرشل " إن السياسة الصهيونية فى فلسطين ليست على الاطلاق تبديدا للموارد وإنما هى التأمين الضرورى الذى تعطيه لك بسعر أرخص من أن يحلم به أى فرد آخر" [16]

من الشواهد الأخرى أن المجتمع الصهيونى هو أكثر مجتمع يحصل على اعانات مالية على وجه الأرض، فقد وصلت المعونة السنوية المقدمة لكل اسرائيلى منذ تاريخ انشاء الدولة الصهيونية الى ما يزيد عن 800 دولار.  ولذلك فالاستعمار الصهيونى مرهون فى وجوده لوجود القوى الامبريالية الغربية وتربط سياسته بسياستها. بالاضافة الى بعد لآخر اجتماعى يكمن فى أن الحركة الصهيونية لم تكن حركة قومية حقيقية ضاربة بجذورها فى الآرض وانما حركة لا سند لها فى الواقع ولم تكن تملك مقومات الحياة الا بالاعتماد على الامبريالية والقوى الدولية وذلك لان أى حركة قومية هى تعبير عن تطلعات طبقات الشعب المختلفة فى حين كان التركيب الطبقى لليهود منقسم على نفسه فكان هناك طبقة اليهود المندمجين فى الرأسمالية الأوروبية والمرتبطة بالنظام الاقتصادى، ولا يمكن القول أنه كان هناك وجود لطبقة عاملة يهودية لها مصالح مستقلة مثلا، بل أن طبقة العمال اليهود كانت قد انخرطت فى صفوف الحركات الثورية المختلفة فى أوروبا، كل ذلك بخلاف الحركة القومية فى أوروبا التى كانت نتيجة لتطور النظام الرأسمالى وكانت تمتلك المقومات فى اعتمادها على القوى الوطنية المحلية لتحقيق الوحدة الوطنية .

يقول بن جوريون " إن خيانة بريطانيا العظمى هى خيانة للصهيونية"، كما ظهر تصريح للمنظمة الاشتراكية الاسرائيلية تقول فيه " إن الدولة الصهيونية بسبب صراعها العميق مع الفلسطينيين أصبح لديها حصانة نسبية ضد نضال العرب الثورى من أجل الحصول على الاستقلال السياسى والاقتصادى وهى بسبب اعتمادها على الغرب للبقاء تشكل قاعدة لقوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها موجهة ضد هذا النضال لخدمة المصالح الامبريالية"[17]
وبعد قرن مازالت الدولة الصهيونية تؤكد هويتها كدولة عميلة كما ورد فى مقال فى هآرتس ديسمبر 1950  " إن اسرائيل قد تم تعيينها لتقوم بدور الحارس الذى يمكن الاعتماد عليه فى معاقبة دولة أو عدة دول من جيرانها العرب الذين قد يتجاوز سلوكهم تجاه الغرب الحدود المسموح بها ". وما العدوان الثلاثى ضد مصر 1956 الا بمثابة تهديد وارهاب لمصر التى كانت فى طريقها لتحقيق نهضة واستقلال اقتصادى، كما أن غزو لبنان 1982 لم يكن سوى لهدف تصفية المقاومة الفلسطينية وفرض السلام الأمريكى على المنطقة.



رابعا: السمات المميزة للاستعمار الصهيونى

السمات العامة للاستعمار الغربي:
دائمًا ما يشعر المستعمر الغربى أنه فى حالة حرب وتهديد دائمة يواكبها فى نفس الوقت احساس بالاطمئنان العسكرى الكامل والقدرة على الهجوم فى الوقت المناسب بسبب امتلاكه لآلات الحرب التى لا تقهر. وكانت من وسائل الامبريالية بعض الوسائل السلمية مثل عمليات التبادل المالية والاقتصادية العادية، بالاضافة الى وسائل أخرى أكثر عنفًا مثل الرشاوى والتهديد والارهاب العسكرى، العنف المباشر، وأيضًا اللجوء الى الحيل القانونية من خلال القانون الدولى الذى يشمل كثيرًا من الطرق لفرض الهيمنة والتسلط، وقد استخدمت  الصهيونية كل تلك الطرق ومنها الأخيرة متمثلة فى وعد بلفور ووضع فلسطين تحت الانتداب واستصدار قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين . وبشكل عام فإن الامبريالية هى امتداد للفكر القومى المتطرف الذى يشوه صورة الآخرين وينسب للذات حقوقا مقدسة أو مطلقة.

السمات الخاصة للاستعمار الصهيونى:
1.     المجتمع الصهيونى فى فلسطين ليس مجتمعًا متكاملًا بعد حيث أنه يضم أقليات قومية كثيرة تتحدث أكثر من لغة ولها تقاليدها الحضارية المختلفة لذا فهو يصر على البقاء فى حالة حرب أو صراع ساخن لصرف الانتباه عن التناقضات التى تتفاعل داخله.

2.     هو استعمار استيطانى يهدف الى نقل المواطنين من أوطانهم الى البلد الجديد ليتخذوه وطنا لهم.

3.     استعمار عميل فحين ظهرت الصهيونية لم يكن لها جيش أو شعب ولكن كان لها برنامج تبنته الامبريالية الغربية وساعدت الحركة الصهيونية فى فرضه على اليهود وعلى فلسطين

4.     استعمار منفصل عن المحيط الحضارى والانسانى حيث أنه يوجد نوعين من أنواع الاستيطان:
o        انفصالى: و فيه يحتفظ المستوطنون باستقلالهم الحضارى والاقتصادى والعرقى عن السكان الأصليين الذين يكون مصيرهم العزلة أو الابادة الكاملة كما هو الحال فى أمريكا الشمالية مع الهنود الحمر ، فهم جماعتين منفصلتين يتطوران بمعزل وبدون تفاعل مع الآخر
o        استيطان اندماجى: يختلط فيه المستوطنون بالسكان الأصليين ويذوب كل منهما فى الآخر كما حدث فى أمريكا اللاتينية
أما اسرائيل فلا تنتمى لأى منهما فهم لا يختلطون بالفلسطينين ولا يتفاعلون معهم حضاريًا لأن الأيدولوجية الصهيونية انفصالية بالدرجة الأولى، فولكن ى نفس الوقت لم يستطع الصهاينة الحفاظ على الانفصال الكامل نظرًا لعدم تجانس المستوطنين أنفسهم من الناحية الحضارية والعرقية فهو يضم البولنديين والروس والفرنسيين والالمان والأمريكيين وكل مجموعة لها اصل حضارى مميز. بالاضافة الى ما حدث من هجرة اليهود العرب الى فلسطين -وهى الهجرة التى لم تكن مقصودة- كل ذلك جعل المجتمع الصهيونى منقسم على نفسه وجعلت المجتمع الصهيونى اندماجيا على ارغم من اتجاهاته الانفصالية الذاتية.

5.     استعمار احلالى، فالأيدولوجية الصهيونية تهدف الى تغيير طبيعة الجماعات اليهودية المتفرقة فى العالم الى أمة لذلك كانوا يطمعون فى" أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " على حد قول الشعار الصهيونى، فكان طرد الفلسطينيين وابادتهم جزء عضوى من الرؤية والممارسة الصهيونية.

6.     استعمار مستقل نسبيا عن الغرب، فهو يعتمد عليه ماديًا ولكن من جهة أخرى هو غير منفتح عليه ولا يرتبط معه بروابط حضارية يستمد منها هويته فهو ليس جزء عضوى منه بحيث يسرى عليه ما يسرى على الوطن الأم فلا يستطيع الوطن الأم أن يقرر تصفيته أو انتهاء دوره، بل هو من هذه الجهة يسعى للاستقلال النسبى والحكم الذاتى. فالعلاقة بين المستوطنين والدول الغربية هى علاقة مصالح مشتركة فقط وليس روابط حضارية أو عضوية عميقة فهم لم ينشأوا فى دولة واحدة يدينون لها بالولاء. ولذلك يمكن تشبيه علاقتهم بانها علاقة علاقة زوجة الأب وليس الأم، ومما يفسر ذلك نقل القيادة الصهيونية لمركز نشاطها من مركز جذب الى آخر (من تركيا الى فرنسا مرورًا بالمانيا حتى استقر بها المقام فى انجلترا عدة سنوات ثم انتهى المآل الى الولايات المتحدة الأمريكية أكبر القوى الامبريالية الحالية وقائدة النظام العالمى الجديد.
ومن جهة أخرى فالعداء العربى للوجود الصهيونى هو ما أعاد الحاجة للاعتماد بشكل كامل على الدولة الغربية الحامية ، وكل ذلك هو ما خلق حالة من الجذب والتنافر ، والتحالف والصراع مع الدولة الحامية ، فكل طرف يحاول أن يستغل الآخر ويحدد منطقة المصالح المشتركة بطريقة تخدم مصالحه هو أساساً.

7.     استعمار ذو طبيعة توسعية، قيول الحاخام فيشمان عضو الوكالة اليهودية أثناء شهادته أمام لجنة التحقيق الخاصة بالأمم المتحدة فى 6 يولية 1947 " الأرض الموعودة من النيل الى الفرات وتشمل أجزاء من سوريا ولبنان" ولذلك فهذا الشعار ليس نتاج عقلية تآمرية عربية وانما هو جزء من التصور الصهيونى. وهو ما يضع احتمالات التوسع قائمة اذا زاد عدد السكان والمهاجرين وهو ربما ما يفسر ايثار الدولة الصهيونية عدم اصدار دستور حتى يترك المجال مفتوح أمام التوسع اللانهائى لأن الدستور يتطلب رسما دقيقا للحدود.  كما أن التوسع الصهيونى له دوافعه الاقتصادية الواضحة لأنه يحقق المكاسب المادية للدولة الصهيونية مثل ضم حقول البترول فى سيناء ولأن اسرائيل تحصل على ثلث ما تحتاجه من الماء من الضفة الغربية .

المراجع:
o        الايدولوجية الصهيونية (القسم الأول) د. عبد الوهاب المسيرى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983
o        الصهيونية والحضارة الغربية – د. عبد الوهاب المسيرى – دار الهلال



الهوامش

[1] كتاب الايدولوجية الصهيونية (القسم الأول) د. عبد الوهاب المسيرى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983 ص 35
[2] فهى ليست نتيجة اضطهاد الاغيار لليهود وليست مؤامرة حيكت خصيصا ضدهم
[3] كتاب الايدولوجية الصهيونية (القسم الأول) د. عبد الوهاب المسيرى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983 ص46
[4] كتاب (الفكرة الصهيونية: النصوص الأساسية) للطفى العابد وموسى عتر، ترجمة كتاب (الفكرة الصهيونية، تحليل تاريخى ومختارات) لآرثر هرتزبرج. ص 133
[5] كتاب الايدولوجية الصهيونية (القسم الأول) د. عبد الوهاب المسيرى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983 ص 86
[6] واضع الأساس الفلسفى للصهيونية وصديق شخصى لكارل ماركس
[7] كتاب (الفكرة الصهيونية: النصوص الأساسية) للطفى العابد وموسى عتر، ترجمة كتاب (الفكرة الصهيونية، تحليل تاريخى ومختارات) لآرثر هرتزبرج
[8] كتاب الايدولوجية الصهيونية (القسم الأول) د. عبد الوهاب المسيرى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983 ص 87
[9] فيلسوف المانيا تأثر به هتلر ونشأت على يده القومية النازية فى المانيا
[10] وهو نفس المنطق الذى يرى فيه اليهود عدم ضرورة لنشر دينهم والتبشير به كونهم وحدهم المختصون به ولأنهم ان فعلوا سيعملون على خفض مستوى واجبهم بجعله واجب كل البشر، فرسالتهم ببساطة أن يؤدوا واجيهم دون اعتبار لباقى البشر وبدون أن يشاركهم أحد فيه فتأدية الواجب غاية فى ذاتها وليس لاسعاد كل العالم وهو ان حدث سيكون بالعرض لا بالذات
[11] من اصل بولندى وأول رئيس للدولة الصهيونية
[12] الاستعمار الاستيطانى فى جنوب أفريقيا والشرق الأوسط ص22
[13] فلاديمير جابوتنسكى (1880 – 1940)
[14] الايدولوجية الصهيونية (القسم الأول) د. عبد الوهاب المسيرى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983 ص 111
[15] وهو نفس الفكر الذى مازال يتبعه خلفاء هرتزل مع الولايات المتحدة الامريكية الآن
[16] الأيدولوجية الصهيونية (القسم الأول) د. عبد الوهاب المسيرى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983 ص 121
[17] المصدر السابق ص 120