فرض الله سبحانه
وتعالى علينا فريضة الصوم فى شهر رمضان المعظم وهى العبادة التى تفرض على الصائمين
الامتناع عن بعض المباحات مثل الطعام والشراب، فهل يريد الله أن يعسر أو يضيق على
المؤمنين ؟!
إن فريضة الصوم
مثلها مثل كل العبادات لها فلسفة مرتبطة بالمعيار الأول والأخير الذى جاء من أجله
الدين ألا وهو صلاح الإنسان وهدايته الى ما فيه خيره وكماله، فما من أمر الا
وينبغى عليه أن يعلم أنه يؤدى به الى خير وما من نهى إلا وهو يمنع عن الأذى أو
الشر.
عندما فرض الله
سبحانه وتعالى علينا العبادات خاصة لم يكن بحاجه الى طقوسنا العبادية التى نتمثل
فيها بظواهر الأفعال بالاتيان بحركات الصلاة دون تدبر أو بالامتناع عن تناول
المفطرات خلال النهار ثم استهلاك أضعاف أضعاف الحاجة منها خلال الليل كنوع من
التعويض الذى للأسف ينظر من خلاله الكثيرون الى تلك العبادة فيرون فيها منعًا
وتقشفًا وحرمانًا مفروضًا وكأنه نوع من العقاب يحتاج الى تعويضه من ملذات الدنيا
ومتعها فلا يفوتهم منها شيئًا.
وكم من عبادات
تحولت إلى مجرد سلوكيات وتصرفات يحكمها العرف والعادة بعيدًا عن التمسك بجوهرها
وغاياتها فيتم تفريغها من محتواها فتتحول الى مظاهر جوفاء لا قيمة لها ولا أثر لها
اطلاقا على الجوانب النفسية والروحية والاخلاقية أو حتى الجسدية لهذا الإنسان،
فحتى الفكر الذى يختزل الفريضة فى الامتناع عن الغذاء الجسدى هو أول من يضره
بتكديسه بما يفوق احتياجه من الطعام والشراب مما قد يتسبب فى ابتلائه بالأمراض
عوضًا عما يسببه من خمول وكسل واضعاف القدرة والعزيمة وفقدان الطاقة والحيوية
المطلوبة لهذا الإنسان فى مباشرة أعماله وسائر عباداته.
إن فريضة الصوم لما
كانت موجهة لكمال الإنسان وصلاحه فهى لا بد وأن تهدف الى صلاح الإنسان بما هو
إنسان من جميع جوانبه، أى بشقيه الجسدى والمعنوى أو الروحى وليس الجسدى فقط، بل إن
الأصل فيها هو الاهتمام بجانب الروح والنفس لما كان هو الجانب الأهم والمميز لهذا
الإنسان. ومنذ القدم وقبل نزول الأديان فطن المفكرون الى تقسيم النفس الإنسانية
الى ثلاث قوى رئيسية هى الشهوة والغضب والعقل، فشهوته هى ما تدفعه الى تلبية احتياجاته،
وغضبه يمنعه عن الاضرار والحاق الأذى بنفسه، أما عقله فهو الحاكم والمسيطر على كل
هذا بدون تحكم العقل وسيطرته على شهواته وغضبه بميزان الحكمة والعدالة قد يتطرف
الإنسان فى اتباع نوازع شهوته وغضبه أو على العكس تضمحل وتضعف لديه فيزهد عنها
ويتركها وفى كل الأحوال سيكون فى ذلك ضرره فالعقل هو ما يضبطها لتحقق للإنسان نفعه
على قدر الحاجة لا أكثر ولا أقل.
من هنا كانت
الحاجة الدائمة لهذا الإنسان لتعويد نفسه وضبطها على الإنقياد لقيد العقل وعلى
تقييد شهوته وغضبه ومنعهما عن الإنفلات وهى ما يعرف بجهاد النفس بتغليب حاكمية
العقل المدرك الحكيم المدبر على حاكمية الشهوات والغضب، هذا الجهاد هو أمر مطلوب
دائمًا وفى كل وقت يحتاج الإنسان لممارسته فى كل سلوكه وأفعاله حتى يصبح إنسانًا متخلقًا بخلق العقل صافى النفس متخلصًا
من آفاتها وشوائبها وموجهًا نحو اكتساب فضائلها، من هنا جائت عبادة الصوم وكانت
فلسفته، فأراد الله أن يهب عباده المؤمنين منحة وفرصة ربانية للتغيير يحاولون فيها
اعتياد أنفسهم الإمساك عن كل شهواتها وتربيتها بالمنع عن كل إغراءاتها ليس فقط من
الأكل ولكن من العجب وحب الظهور والغضب والعصبية والكراهية والأنانية وغيرها من
الرذائل، ليصبح ميدان الصوم الحقيقى هو فى اختيار الإنسان الحر فى تسلطه على نفسه
وفى سعيه نحو الكمال وفى تحرره من كل القيود التى تربطه بعالم المادة الخانق
والمقيد للروح، ويصبح شهر رمضان هو شهر الثورة والجهاد لا فى ميدان أعداء الخارج
ولكن ميدان أعداء الداخل.
إن عبادة الصوم فى عمقها تعلم الإنسان فضيلة الاخلاص حينما يدرك تلك الفلسفة ومعناها وأهميتها فيسعى الى الالتزام والتمسك بها حرصًا على تحقيق غاية الله ومراده واكتسابًا لمرضاته وسعيًا للتقرب اليه، فهذا الإنسان المتنزه عندما يسعى لتهذيب نفسه يصبح فى جوهره أقرب ما يكون الى صفات الله وكمالاته.
نحن فى حاجة الى
العودة للفهم وربط مفهوم العبادات ووظيفتها بالمقاصد الآلهية الحقيقية فنعود مرة
أخرى مجتمعًا للصلاة والصوم والزكاة، مجتمعًا ربانيًا، لا مجتمع الطقوس الفارغة
والعادات المقدسة الخالية من المضمون.
كتبت بتاريخ 30-6-2015
No comments:
Post a Comment