Monday, April 1, 2019

الاستعمارية "الامبريالية" والصهيونية


v    مقدمة 
الامبريالية هى سياسة التوسع والسيطرة ومد النفوذ على الوجود الخارج عن نطاق المنطقة أو الدولة المسيطرة وهذه الهيمنة قد تكون سياسية أو اقتصادية، وقد قامت بعض المحاولات لتعريف الامبريالية من خلال حصر أهدافها ودوافعها والوسائل التى تستخدمها وقد ذكر فى (الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية)[1] أن من أهداف الامبريالية الربح الاقتصادى، وتحقيق النفوذ السياسى، وصرف الانتباه عن القلاقل الداخلية فى الوطن المستعمر عن طريق شن الحروب. كما أن الهدف قد يكون أيدولوجيًا بهدف نشر الحضارة واعلان كلمة الحق كما يراها الامبرياليون وهو الحق الذى يخدم مصالحهم.
والفكر الامبريالي هو وليد الحضارة الغربية المادية فى عصر ما بعد الحداثة، الذى نصّب فيه الإنسان الغربى من نفسه مركزًا للكون تأثرًا بالأفكار النتشوية والداروينية العنصرية المتطرفة، حيث صنّف من خلالها نفسه بالعنصر المتفوق على باقى شعوب ودول العالم، وأصبح يرى من حقه استعمال (توظيف) كافة شعوب وموارد العالم لصالحه بناء على منطق البقاء للأقوى وبما يحقق أهدافه السياسية والاقتصادية.
وقد شاركت الصهيونية الامبريالية فى هذه الصفات فكان الهدف منها هو إنشاء منطقة نفوذ توازن القوى القومية فى الشرق الأوسط ولخدمة المصالح الاقتصادية الامبريالية من خلال تطبيعها وتبعيتها للقوى الامبريالية العالمية، فيستمر تدفق المواد الخام منها، وتدفق رؤوس الأموال والسلع اليها.
وفيما يلى يقدم هذا البحث عرضًا لأهم المحاور المتعلقة بالاستعمارية "الامبريالية" الصهيونية، بدءًا بتناول البنية المعرفية للفكر الامبريالى  الغربى ونشأته كنتاج للفلسفة المادية الغربية، ثم توضيح للنموذج الامبريالى  وعوامل نشأته التاريخية، ثم بيان العلاقة بين الفكرة الصهيونية والامبريالية الغربية، وختامًا بعرض بعض نماذج المفكرين الصهاينة المتأثرين بالسياسات التوسعية الامبريالية ثم الاستشهاد بنماذج لتلك الممارسات الصهيونية التوسعية فى المنطقة.

v       البنية المعرفية للفكر الامبريالى  الغربى
يتحدث الدكتور المسيرى فى كتابه (الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ) كيف أن الامبريالية والعنصرية الغربية قد ولدت من رحم الفلسفة المادية الغربية وخاصة فى عصر ما بعد الحداثة والعلمانية الشاملة، فقبل ذلك فى عصر بدايات التحديث وعصر الحداثة كانت الفلسفة الغربية المادية تنظر للإنسان على أنه محور الكون وأن المادة أو الطبيعة هى المرجعية المعيارية الوحيدة، فكان الإنسان الغربى لا يؤمن بأى قيمة أو غاية متجاوزة للمادة، ولكنه كان لا يزال يؤمن بالكليات وبدور العقل ولكن يختزله فقط فى خدمة المادة وتسخير الطبيعة، وعليه كان لا يزال قادرًا على إنتاج منظومات معرفية وأخلاقية واجتماعية ولكن فى اطار مادى لا ينفصل عن المادة، وهو فى هذه الحالة كان لا يزال يملك أرضًا ومنطلقات صلبة ينطلق منها وهى منطلقات الواقع المادى حتى وإن أنكر خلاله أى دور للغيبيات للتدخل فى الشأن السياسى.
أما فى عصر ما بعد الحداثة والعلمانية الشاملة فقد تطور الأمر ليفقد الإنسان الغربى كل قيمة ويتحرر ويتمرد على كل الكليات والغايات، وعلى أى قداسة حتى قداسة الإنسان، وعلى أى مرجعية حتى مرجعية العقل المادى ذاته، لتتحول مرحلة القيمة الصلبة إلى القيمة السائلة أو السيولة والنسبية والعدمية، ويصبح الحكم على كل عمل أو قيمة أو خُلُق أو نظرية فى اطار منطق المنفعة الخاصة والشخصية وحدها التى يحددها كل فرد بشكل منفصل تماما عن غيره وبالتالى تدور كل منظومة الأخلاق والقيم فى اطار ذا طابع خاص وشخصى نابع من ذاتية كل فرد ويختلف من شخص لآخر، أى يتحول الإنسان من كونه قيمة ومرجعية وغاية فى نفسه ليصبح مجرد وسيلة وآلة لتحقيق رغباته ونفعه الخاص. وفى هذا الاطار المادى الشهوانى النفعى الخالص لا تتبقى لدى الإنسان سوى غاية البقاء ولا يملك لها من وسائل وآليات سوى معيار القوة، وعندها ينقسم العقل المادى إلى نوعين:
1.     عقل امبريالى  أو سوبرمان، يصبح له كل الحق فى أن يفعل ما يشاء لخدمة مصالحه وتحقيقها من خلال توظيف الآخرين واستعمالهم، وهو من ينظر لنفسه على أنه يمثل النخبة ومن هم فوق مستوى الإنسان طالما كان يملك مصادر المعرفة والقوة .
2.     عقل أداتى أو سبمان، وهم من أعضاء الجماهير مما هم دون الإنسان وتصبح وظيفتهم الأساسية هى تأدية ما يوكل لديهم من أعمال ويوظفون لخدمة السوبر مان.
أى أنه بعد أن كان الإنسان هو مركز الكون تحول إلى أن يكون الإنسان "الغربى" تحديدًا هو مركز الكون، أى توظيف الطبيعة وسائر العالم وبقية البشر لصالح هذه الإنسان الغربى (السوبرمان) والأمة الغربية (السوبر أمة)، ومن هنا تحديدًا ولدت الامبريالية الغربية. فالامبريالية الغربية تصدر من الايمان بتفوق الجنس الآرى على الأجناس الأخرى وهو ما يعطى الحق للآريين فى أن يتخلصوا من مشاكلهم عن طريق تصدير مشاكلهم إلى البلاد الأخرى حتى لو كان على حساب السكان الأصليين، فهى بذلك نتاج منطقى للحضارة الغربية المادية الحديثة وليست استثناءا منها.

v    النموذج الامبريالى  ومظاهر نشأته فى الغرب
ينقسم الاستعمار عادة إلى نوعين من الاستعمار؛ استعمار المرحلة الأولى وهو استعمار الرأسمالية المركانتيلية (التجارية)، واستعمار المرحلة الثانية وهو استعمار الرأسمالية الصناعية المصرفية (عصر الامبريالية). وفيما يلى جدول يوضح الفارق بين الاثنين:

استعمار المرحلة الأولى
استعمار الرأسمالية المركانتيلية (التجارية)
القرنين 16 و17
استعمار المرحلة الثانية
استعمار الرأسمالية الصناعية المصرفية
(بعد عام 1870)
مسرح الاستعمار
نصف الكرة الغربى والجزر الاستوائية
آسيا وأفريقيا
الهدف منه
·  زيادة قوة الدولة
·  زيادة ثرواتها
·  الحصول على مواد خام ترفيهية مثل الذهب والفضة والمنتجات الاستوائية
·  تحول أكبر قدر ممكن من التجارة الدولية ليد التجار الأوروبيين
·  لم يكن الاستيطيان أحد الأهداف الرئيسية
·  خدمة بعض طبقات المجتمع وفئاته بتزويدهم بالأسواق لبضائعهم، وبفرص الاستثمار لرأسمالهم الفائض
·  البحث عن المواد الخام الهامة للصناعة مثل الحديد والنحاس والبترول والمنجنيز والقمح
·  الحصول على مستعمرات لاستيعاب الفائض السكانى
·  استعمال المستعمرات كقاعدة لعمليات الاستعمار التقليدى ضد الدول المجاورة
بعض السياسات المتبعة
· اقامة مراكز تجارية وتحصينات عسكرية
· نفى المجرمين اليها
· هجرة الأقليات الدينية اليها
·  سياسة الحماية الجمركية
·  انهاء حرية التجارة

نتائج الاستعمار
لم يتسبب فى تغيير النظم الاجتماعية فى البلاد المستعمرة بشكل حاد بل احتفظت ببنيتها التقليدية، وهى بذلك لم تشكل ولم تكن مرنة بما فيه الكفاية لتكون سوق جيدة وتستوعب استهلاك السلع التى تنتجها الدول الصناعية المتقدمة
غيرت البنية الاجتماعية لمجتمعات العالم لتكون تابعة للحلقة الصناعية الرأسمالية الامبريالية، من خلال عدة سياسات على سبيل المثال:
·   تغيير نظام الملكية الزراعية إلى ملكية خاصة
·   اغتصاب الأراضى
·   انشاء طبقة العمال المأجورين
·   فرض ايجارات على الأراضى
·   تحصيل الضرائب
·   القضاء على الصناعات المنزلية أو التراثية

والخلاصة أن استعمار المرحلة الثانية حوّل العالم إلى عالم الآلة، وخلق اقتصاد يثير نزعة الشهوات والاستهلاك لدى العالم بما جاء به من تقدم على كل الأصعدة التكنولوجية والعلمية والطبية ومخترعات التدفئة والتكييف وغيرها، وقد أشار الدكتور "جمال حمدان" إلى استعمار المرحلة الأولى باسم الاستعمار السكانى، أما استعمار المرحلة الثانية باسم الاستعمار الاستغلالى[2].

v       علاقة الفكرة الصهيونية بالامبريالية الغربية
إن الصهيونية كما وصفها هرتزل هى (فكرة استعمارية) وهى مدينة بفكرها وقوتها وتحولها إلى واقع فى الشرق الأوسط إلى الامبريالية الغربية فما هى الا امتداد لها وتتسم بكل صفاتها. فقد ظهرت الفكرة الصهيونية فى عصر الاستعمار فى القرن 19 كنتاج لما عرف بـ "الحل الاستعمارى لمسألة أوروبا اليهودية" الذى يصدر عن كره اليهود والرغبة فى التخلص منهم بنقلهم خارج العالم الغربى (أى تصدير مشكلتهم إلى الخارج)، ثم توظيفهم لصالح العالم الغربى ( بناء على مبدأ تسخير وتوظيف كل شئ لصالح الإنسان الغربى وكما تسخير الشرق وتحويله إلى سوق ومصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة).
يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري إن " الحل الصهيونى المقترح للمسألة اليهودية جزء لا يتجزأ من العملية الاستعمارية الغربية التى غطت العالم بأسره، وهى العملية التى أدت إلى تفريغ قارتين من سكانهما (الأمريكتين)، واستعباد سكان قارة أخرى (أفريقيا)، وتحويل قارة رابعة إلى مصادر للمواد الخام وأسواق لبضائع أوروبا الكاسدة (آسيا)، والتى نقلت الملايين من أوروبا إلى كل أنحاء العالم"[3] . لقد استفادت الصهيونية من الامبريالية الغربية استفادة هائلة وخاصة أن مصر وفلسطين كانتا فى طريق تجارة الهند وفى قلب العالم العربى الذى كان قد بدأ ينهار على أثر انهيار الامبراطورية العثمانية وترقب الدول الاستعمارية الكبرى للاستيلاء على ثرواته وأملاكه كجزء من المنافسة بين الدول الأوروبية لاحتكار الأسواق.
وقد تناولت الكثير من الشواهد التاريخية  الدلائل على أن كثيرًا من أصحاب الفكر الصهيونى كانوا من غير اليهود وذلك لأطماعهم الاستعمارية فيقول الزعيم الصهيونى حاييم وايزمان[4] (1846 -1952) "أن بعض كبار القواد العسكريين مثل يوليوس قيصر والاسكندر ونابليون قد أدركوا أهمية فلسطين بالنسبة لخططهم الشرقية وأنهم لهذا السبب كانوا موالين لليهود فى سياستهم الخارجية بشكل ملحوظ". وقد وجه نابليون إلى كل يهود آسيا وأفريقيا فى 20 أبريل 1799 يحثهم على السير وراء القيادة الفرنسية لاستعادة بيت المقدس وعودة اليهود إلى أرضهم المقدسة اذا ساعدوا قواته، وهى الدعوات الاستعمارية المغلفة بالشعارات الدينية لقطع الطريق للهند أمام بريطانيا. كما قرر اللورد بالمرستون (1784 – 1865) الذى كان يشغل منصب وزير خارجية بريطانيا أن يستغل اليهود فى قمع العرب فأرسل إلى السفير البريطانى فى استنابول فى 1840 رسالة قال فيها "اذا عاد أفراد الشعب اليهودى إلى فلسطين تحت حماية السلطان العثمانى أو بدعوة منه فانهم سيقومون بكبح جماح أى مخططات شريرة قد يديرها محمد على أو من سيخلفه فى المستقبل " [5] وذلك لأن محمد علي كان أول زعيم يقود عملية تحديث فى العالم العربى وكان تعبيرًا عن القومية العربية الناشئة فى المنطقة العربية مما شكل تهديدًا لانجلترا وغيرها من القوى الاستعمارية.
ويمكن تلخيص مظاهر تأثر الفكرة الصهيونية بالامبريالية الغربية فى ما ظهر من عوامل قامت عليها الاستراتيجية الصهيونية كانت شديدة الارتباط بالقوى الاستعمارية الغربية، وأيضًا من خلال السمات الخاصة بالاستعمار الصهيونى التى تتطابق مع السمات العامة للاستعمار الغربى، وفيما يلى عرض لهذه المظاهر:

أولأ: قيام الاستراتيجية الصهيونية بناء على محورين أساسيين هما:
1.  القيام بدور الوسيط بين القوى الاستعمارية من جهة وبين اليهود من جهة أخرى
 وذلك لأنه حتى بعد اكتمال الفكرة الصهيونية والنسق الأيدولوجى لها على يد هرتزل والمفكرين الصهاينة الروس ومنظرى اليسار واليمين الصهيونيين، فقد ظلت مجرد فكرة لا تسندها جماهير يهودية أو غير يهودية ولا أى مصدر للقوة وقد عارضتها المنظمات اليهودية واتخذت منها موقفا مناهضًا، فكانت استراتيجية الصهاينة أن يقوموا بالاعتماد على نفوذ الدول الاستعمارية كمصدر بديل للقوة. يقول حاييم وايزمان " اذا دخلت فلسطين فى نطاق النفوذ البريطانى واذا شجعت بريطانيا عملية استيطان اليهود هناك وأصبحت دولة خاضعة لبريطانيا فسيصبح هناك خلال عشرين إلى ثلاثين عاما مليون يهودى يقومون بخدمة المصالح الامبريالية"[6] فكان ينظر إلى مشروع الاستيطان الصهيونى فى ضوء المصالح الامبريالية، وانه عن طريق كسب ود القوى الامبريالية يمكن للحركة الصهيونية أن تفرض نفسها على الجماهير اليهودية.

2.  عمالة الدولة الصهيونية
كما ذُكر أن أحدى السمات الأساسية للامبريالية الغربية هى تصدير مشكلاتها إلى آسيا وأفريقيا فكان الاستعمار التقليدى لحل مشكلة المواد الخام والأسواق، وكان الاستعمار الاستيطانى لحل مشكلة الفائض السكانى ولاستخدام المستعمرات أيضا كقاعدة لعمليات الاستعمار التقليدى ضد الدول المجاورة، فكان ذلك هو ما اعتمد عليه هرتزل فى مخاطبة ومغازلة الدول الاستعمارية الكبرى كفرنسا وبلجيكا والمانيا والامبراطورية العثمانية نفسها محاولًا اظهار الفوائد التى ستعود عليهم من وجود "مستعمرة" أو "ولاية" لهم فى المنطقة لحماية مصالحهم[7] ، ومن ذلك استخدام التهديد السوفيتى وظهور القوميات العربية وتطلعات العرب نحو الوحدة وما سيتبع ذلك من سيطرة على قناة السويس، ولأن المنطقة العربية تحتوى على عوامل جذب قومية مختلفة ستجعل العرب آجلا أو آجلا يجتمعون عليها ويسعون للاستقلال عن النفوذ الغربى. بالاضافة إلى استخدام الترغيب من خلال أن الاحتفاظ باسرائيل كقاعدة للمصالح الغربية هى عملية غير مكلفة بالقياس لأى عملية بديلة. وقد ذكر وايزمان فى خطابه لتشرشل قوله " إن السياسة الصهيونية فى فلسطين ليست على الاطلاق تبديدا للموارد وإنما هى التأمين الضرورى الذى تعطيه لك بسعر أرخص من أن يحلم به أى فرد آخر" [8]
وهكذا أصبح وجود اسرائيل ضرورة كحليف موثوق به ليكون بمثابة شرطى تأديب لدول المنطقة العربية ومصدر يعمل على الحيلولة دون وحدتهم وقوتهم. وقد ذكر الجنرال والباحث الصهيونى شلومو جازيت (رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقا) فى جريدة يديعوت أحرونوت فى إبريل عام 1992 -وكان ذلك بعد انهار الاتحاد السوفييتى- أن مهمة إسرائيل الأولى لم تتغير مع ذلك الحدث وستبقى على نفس درجتها من الأهمية، فموقع إسرائيل فى قلب الشرق الأوسط العربى والإسلامى يعطى إسرائيل ميزة التحكم فى الاستقرار لدول الإقليم، الحفاظ على النظام الدولى القائم والحيلولة دون ظهور توجهات قومية ثورية فى العالم العربى. وفى جريدة هآرتس ديسمبر 1950 ذكر " إن اسرائيل قد تم تعيينها لتقوم بدور الحارس الذى يمكن الاعتماد عليه فى معاقبة دولة أو عدة دول من جيرانها العرب الذين قد يتجاوز سلوكهم تجاه الغرب الحدود المسموح بها". كما أشارت المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية إلى أن اسرائيل "بسبب اعتمادها على الغرب للبقاء تشكل قاعدة لقوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها موجهة ضد هذا النضال لخدمة المصالح الامبريالية"

ثانيًا: تشابه السمات الخاصة للاستعمار الصهيونى مع السمات العامة للاستعمار الغربى
فمن السمات العامة للامبريالية الغربية أنها فى حالة حرب وتهديد دائمة يواكبها فى نفس الوقت احساس بالاطمئنان العسكرى الكامل والقدرة على الهجوم فى الوقت المناسب وامتلاكها لآلات الحرب التى لا تقهر. كما تعددت وسائل الامبريالية ما بين الوسائل السلمية مثل عمليات التبادل المالية والاقتصادية العادية، ووسائل أخرى أكثر عنفًا مثل الرشاوى والتهديد والإرهاب العسكرى، ووسائل أخرى تميل إلى العنف المباشر، وأيضًا اللجوء إلى الحيل القانونية فالقانون الدولى يشمل طرق كثيرة لفرض الهيمنة والتسلط، وكل تلك الوسائل استخدمتها الصهيونية فقامت بشراء الأراضى من كبار الملاك الاقطاعيين فى فلسطين ومن حكومة الانتداب، كما لجأت إلى التهديد والإرهاب والعنف العسكرى المباشر كما حدث فى جميع المذابح التى ارتكبتها، وأيضأ لجأت إلى الوسائل الدولية المتمثلة فى وعد بلفور ووضع فلسطين تحت الانتداب واستصدار قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين .

v    المفكرون والساسة الصهاينة المتأثرون بالامبريالية
-         الكولونيل "جورج جاولر" (1796 -1869) فى بريطانيا الذى ظل ينادى لفترة طويلة باعادة استيطان اليهود فى فلسطين لحماية خطوط الاتصال بين أنحاء الامبراطورية المختلفة.
-         "لورد شافتسبرى السابع" (1801 - 1885) وهو أهم مفكر صهيونى استعمارى غربى انجليزى غير يهودى، وكان زعيم حزب الانجيليين الذى يهدف إلى تنصير اليهود وقد تبنى الفكرة الصهيونية بضرورة نقل اليهود إلى بلد آخر وتوظيفهم من أجل خدمة الامبراطورية الانجليزية.
-         الكولونيل "تشارلز هنرى تشرشل" (1807 – 1869) كان ضابطًا بريطانيًا يؤمن بضرورة حماية بريطانيا لمصالحها فى الشرق، وكان يدرك عدم اهتمام يهود أوروبا الغربية بمشروع إعادتهم لفلسطين فعمل على تحريضهم على ذلك.
-         "لورانس أوليفانت" (1829 – 1888) وكان عضوًا بالبرلمان الانجليزى وكان يدعو إلى إنقاذ الدولة العثمانية من مشاكلها المستعصية من خلال إدخال عنصر إقتصادى نشط على يد اليهود ولذلك دعا بريطانيا لتأييد مشروع توطين اليهود فى فلسطين والضفة الشرقية للأردن. وقد قال "إن عودة اليهود إلى أرضهم المقدسة فلسطين هى مسألة روحية ودينية، ولكنها أيضًا عملية ومنطقية، وذات أبعاد سياسية وإقتصادية كبرى"[9]
-         "ماكس نوردو" المفكر الالمانى والزعيم الصهيونى (1849 – 1923) الذى صرح بأنه يرى الدولة اليهودية تحت وصاية بريطانيا العظمى وأن اليهود سيكونون حراسَا على طريق المخاطر الذى يمتد عبر الشرقين الأدنى والمتوسط حتى حدود الهند.
-         "تيودور هرتزل" (1860 - 1904) مؤسس الحركة الصهيونية الذى سعى بكل جهد لخطاب قادة الدول الاستعمارية جميعها وحثها على دعم اقامة دولة استعمارية استيطانية يهودية تضم اليهود من كل الجنسيات وتخدم أوروبا الامبريالية كلها دون تفرقة.
-         "تشامبرلين" (1869 – 1940) وزير المستعمرات البريطانى، حيث كان مؤمنًا ايمانًا عميقًا بسمو العرق الانجلوساكسونى وأنه العرق الوحيد الذى سيصبح القوة المهيمنة فى التاريخ العالمى والحضارة الكونية، وكان يهدف إلى الحفاظ على الامبراطورية البريطانية من خلال سياسة التوسع الامبريالية ومد حدودها، حتى لقبه مؤرخو تلك الحقبة بـ "نبى الامبراطورية"، يقول عنه د. "بشير موسى نافع" فى كتاب الامبريالية والصهيونية والقضية الفلسطينية "كان تشامبرلين ابن مرحلة الداروينية الاجتماعية التى حمل رايتها مفكرون وفلاسفة بريطانيون... ورأو فى الامبريالية بالتالى قوة محركة لتقدم البشرية ونشر قيم الحضارة المهيمنة، حضارة الغرب والنموذج الانجلوساكسونى. لن تعد الامبريالية بالنسبة لهم مذهبًا سياسيًا حول "فرض الحكم"، بل رؤية أيدولوجية كاملة للحياة والتاريخ والمستقبل. ولأن مسألة الاستيطان، ونشر العرق الأوروبى فى أركان الأرض الأربع، ضمن عملية الصراع لدفع الأعراق الأخرى، كانت إحدى أدوات الامبريالية الكبرى، فإن تشامبرلين فى لحظة تبنيه لهرتزل وجد فى اليهود كتلة من الحضارة الأوروبية، وعلى إستعداد لأن تحتل بقعة فارغة من أرض الامبراطورية. كانت صهيونية تشامبرلين امبريالية بحتة، بدون دوافع دينية خاصة." [10]
-         "مارك سايكس" (1879 – 1919) دبلوماسى ورحالة بريطانى وكان وراء توقيع اتفاقية سايكس-بيكو الشهيرة لتقسيم مناطق النفوذ بين انجلترا وفرنسا.
-         اللورد "جيمس بلفور" (1884 - 1930) وزير خارجية بريطانيا الذى أصدر وعد بلفور فى عام 1917 وتعهد فيه بانشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين، وكان يؤمن بأن الأفضل لبريطانيا أن تستغل اليهود في دعم بريطانيا من خارج أوروبا.
-         "بن جوريون" (1886 - 1973) أول رئيس وزراء لدولة اسرائيل، وهو من أعلن فى المؤتمر الصهيونى التاسع عشر (1935) أن خيانة بريطانيا العظمى هى خيانة للصهيونية.


v    الممارسات الصهيونية الامبريالية التوسعية فى المنطقة
لا يمكن فهم حروب اسرائيل المتكررة الا بوضعها داخل اطار التحركات والمصالح الامبريالية فى الشرق الأوسط، مثلما كان الحال أثناء العدوان الثلاثى على مصر 1956، وفى عام 1982 حين قامت اسرائيل بغزو لبنان بهدف تصفية المقاومة الفلسطينية وفرض السلام الأمريكى على المنطقة.
كما أن من أهم سمات الاستعمار الصهيونى أنه ذو طبيعة توسعية، فقد أقيمت الدولة الصهيونية على أنها دولة للشعب اليهودى بأسره وليس مجرد عملية محدودة لنقل السكان أو طردهم فحسب، وهو ما يدلل عليه قول الحاخام "فيشمان" عضو الوكالة اليهودية أثناء شهادته أمام لجنة التحقيق الخاصة بالأمم المتحدة فى 6 يوليه 1947 " الأرض الموعودة من النيل إلى الفرات وتشمل أجزاء من سوريا ولبنان" وقد أعلن الكاتب الاسرائيلى "اليعازر ليفينه" عضو حركة اسرائيل الكبرى فى جريدة هآرتس فى 12 نوفمبر 1973، أن التوسع الصهيونى هو الذى يعطى للمجتمع الاسرائيلى معنًا وهدفًا، ولذلك يعتبر هذا الشعار جزءًا من التصور الصهيونى، وهو دائمًا ما يضع احتمالات التوسع قائمة اذا زاد عدد السكان والمهاجرين. كما أنه ربما ما يفسر ايثار الدولة الصهيونية عدم اصدار دستور حتى يترك المجال مفتوح أمام التوسع اللانهائى لأن الدستور يتطلب رسما دقيقا للحدود. وكما أن التوسع الصهيونى له دوافعه الاقتصادية الواضحة لأنه يحقق المكاسب المادية للدولة الصهيونية مثل ضم حقول البترول فى سيناء ولأن اسرائيل تحصل على ثلث ما تحتاجه من الماء من الضفة الغربية.

v    خاتمة
إن النظرة إلى طبيعة العلاقة العضوية التى تربط بين الامبريالية الغربية واسرائيل باعتبارها جزء من السياسة العالمية الامبريالية هى النظرة الشاملة التى يجب أن تحكم مستقبل المواجهة مع اسرائيل. فينبغى النظر إلى مواقف الحرب والسيطرة وممارسات القتل والاحتلال التى تقوم بها اسرائيل على أنها جزء من العولمة العسكرية انطلاقًا من كونها امبريالية فرعية هدفها السيطرة على المنطقة العربية، وهذه النظرة الشاملة هى التى تحكم بضرورة عدم الانفصال بين مقاومة الوجود الاسرائيلى وبين مقاومة الامبريالية الغربية كلها. "فالجسد اليهودى الصهيونى هو مادة المشروع الاستيطانى فى فلسطين، وهو لحمه وعظامه... ولكن مسألة فلسطين، التى هى جوهر أزمة الحوض العربى الإسلامى، تظل متعلقة أساسًا بالنظام الغربى الدولى الذى لم يزل قائمًا على قاعدة الهيمنة. وتكاد خارطة الصراع الدولى فى نهايات القرن العشرين أن تكون استمرارًا لتلك التى تشكلت فى نهايات القرن التاسع عشر بتغييرات غير جوهرية."[11]
وهو نفس ما عبر عنه الكاتب "سلامة كليلة" فى احدى مقالاته بقوله "هذا الأمر يفرض إعادة النظر في الموقف من الدولة الصهيونية، وإعتبار أنها مشروع إمبرياليّ بالأساس، وليست حلّ للمسألة اليهودية كما كان يجري الإدّعاء. وأنها جزء من الدور الإمبريالي للسيطرة على المنطقة العربية، و جزء من قوى الإحتلال و التدمير و القتل. لقد حلّت الرأسمالية الأوروبية المسألة اليهودية (التي كانت تمثّل مشكلة أوروبية فقط) على حساب العرب، عبر إستغلال اليهود في مشروع سيطرة وإحتلال. ومنذ إذ باتت الدولة الصهيونية جزءاً من المشروع الإمبريالي للسيطرة والإحتلال والنهب. وهي منذ زمن جزء من المشروع الإمبريالي الأميركي، وتلعب دور الكابح لمطامح العرب، إضافة إلى إحتلالها فلسطين لمنطلق للسيطرة والحرب. إسرائيل إذن تتحوّل إلى إمبريالية إقليمية، تسعى إلى الهيمنة على محيطها ... يجب أن نسعى لرفض الوجود الصهيوني، ورفض تحويل اليهود إلى جيش إمبريالي يعمل في خدمة الإمبريالية، ويحقّق مصالح رأسمالييها. لهذا يجب التأكيد على رفض إسرائيل الإمبريالية، بالتوازي مع رفض الإمبريالية كلها"[12]

v    المراجع:
·        الايدولوجية الصهيونية (القسم الأول) د. عبد الوهاب المسيرى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1983
·        استراتيجية الاستعمار والتحرير ، جمال حمدان ، دار الهلال،  طبعة يونيو 1951
·        الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية – المجلد السابع " الامبريالية"
·        الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ – د. عبد الوهاب المسيرى، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2001.
·        البروتوكولات واليهودية والصهيونية – د. عبد الوهاب المسيرى، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2003.
·        مقال (ورقة عن الحرب الإمبريالية الصهيونية في المنطقة العربية) – سلامة كليلة – جريدة الحوار المتمدن 23/5/2005
·      الامبريالية والصهيونية والقضية الفلسطينية – د. بشير موسى نافع، دار الشروق، الطبعة الأولى 1999




[1]  الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية – المجلد السابع " الامبريالية"
[2]  جمال حمدان، "استراتيجية الاستعمار والتحرير"، صـ 56
[3]  عبد الوهاب المسيرى، " الأيدولوجية الصهيونية  - القسم الأول " صـ 100
[4] من اصل بولندى وأول رئيس للدولة الصهيونية
[5] عبد الوهاب المسيرى، " الأيدولوجية الصهيونية  - القسم الأول " صـ 107
[6] المصدر السابق صـ 111
[7] وهو نفس الفكر الذى مازال يتبعه خلفاء هرتزل مع الولايات المتحدة الامريكية الآن
[8] عبد الوهاب المسيرى، " الأيدولوجية الصهيونية  - القسم الأول " صـ 121
[9]  د. بشير موسى نافع - الامبريالية والصهيونية والقضية الفلسطينية صـ 65
[10]  المصدر السابق صـ 88- 89
[11]  د. بشير موسى نافع - الامبريالية والصهيونية والقضية الفلسطينية صـ 108
[12]  مقال (ورقة عن الحرب الإمبريالية الصهيونية في المنطقة العربية) – سلامة كليلة – جريدة الحوار المتمدن


No comments:

Post a Comment