Monday, April 1, 2019

إن تنصروا الله ينصركم


نقد مقال (الله الذى لا ينصرنا)

 نشر مقال للكاتب عماد الدين السيد بعنوان (الله الذى لا ينصرنا) بتاريخ 23 فبراير 2015 [1]، استهل فيه الكاتب بمشهد مواجهة بين شاب مصرى وجنود الشرطة فى واحدة من الأحداث الدامية التى مرت بنا فى السنوات الأخيرة، يرفع فيه الشاب حجرا ليلقيه نحو إحدى المدرعات وهو يستغيث بالله لينصره، ويتساءل الكاتب بصيغة استنكارية كيف لهذا الشاب الذى يقف إلى جانب الحق فى مواجهة الباطل أن ينهزم ويتبع ذلك سقوط العديد من الأبرياء وقتل الكثيرين، ذلك الاستهلال كان المقدمة ليلقى إلينا بالسؤال الرئيسى والذى يحاول من خلال مقاله الإجابة عليه؛ (لماذا لا ينصرنا الله؟)  
لنرى المقال يعرض علينا سيلًا من المغالطات والأخطاء المنطقية والمعرفية الفادحة، يسوق فيه عددا من الاستدلالات التاريخية الجزئية وبعض التفاسير الشخصية لبعض النصوص القرآنية والروايات ليخرج منها بتقرير حول مفهوم النصر الذى يراه والذى عبر عنه بأنه نصر الغلبة والتفوق المادى على الطرف الآخر، وحصر أسبابه بشكل واضح حول عوامل البراعة والحنكة القتالية والتخطيط فى المعارك مع نفى أن يكون لعوامل الإيمان أو عدمه من تعلق بالمعاصى والشهوات دورًا فى تحقيق الهزيمة أو النصر!!


النصر المادى وتهافت الاستدلال

من أوائل تلك المغالطات هى اعتماده على أسلوب الاستقراء أو التعميم الخاطىء فى أدلته التاريخية التى توصل من خلالها لمفهومه المادى عن النصر، فنراه جاء على ذكر بعض الحوادث الفردية كمثال مثل معركتى اليرموك ودومة الجندل التى استطاع فيهما جيش خالد بن الوليد تحقيق النصر دون غيره من الجيوش، وأيضا معركة القسطنطينية التى استطاع فيها محمد الفاتح تحطيم حصون مدينتها بخطة استثنائية، ليخرج علينا فى النهاية بالخلاصة التى انتزعها من هذه الأمثلة عندما يخبرنا بكل وضوح " يبدو لنا من هذه القصص أن الانتصار في المعارك لا يرتكز بشكل أساسي على قوة الإيمان أو ضعفه، ولا يرتكز حتى على مجرد الأخذ بالأسباب. بل يرتكز بشكل أساسي على براعة الخطة وعبقريتها."
والحقيقة أن الخلل الرئيسى فى هذا السياق موجه إلى هذا النموذج الاستقرائى لقصوره فى نفسه، وذلك لأن التاريخ قد حفل بآلاف الحوادث باختلاف أبطالها وتباين أوقاتها وظروفها والعوامل التى أحاطت بها فلا يمكن حصرها للخروج بنتيجة أقرب للصواب، كما أن هذا الدليل يمكن نقضه بسهولة بمجرد عرض نماذج أخرى معارضة لحضارات كانت متقدمة ماديًا وعلميًا ثم انهارت بسبب انتشار الشهوات أو الغضب والرغبة المحمومة فى السيطرة، فنرى أمة الاسلام نفسها قد قامت كحضارة عظيمة على أيدى قلة من المؤمنين الصادقين والمستضعفين المعذبين فى مكة والفاقدين نظريًا للأسباب المادية، ثم أدى افتقاد هذه الأسباب المعنوية ذاتها إلى الانهيار عندما تسلل ضعف الإيمان وانتشار الشهوات لدى ملوكها فيما بعد حتى سقوطها فى يد أعدائها، كل ذلك بالرغم من توفر عوامل القوة المادية ظاهريًا من اتساع النطاق الجغرافى ودخول عشرات الآلاف إلي الدين الإسلامى ووجود العديد من العلماء المتميزين فى مجال الطب والفلك والرياضة والطبيعة وغيرها، بالإضافة إلى تطور آليات ووسائل الحرب والقتال، وهى كلها عوامل كان يجب أن تمنح النصر المحتم بالقياس إلى النظرة المادية البحتة التى ساقها الكاتب.

ما الإيمان؟

فى جزء آخر من المقال تطالعنا تساؤلات الكاتب عن كيفية قياس الإيمان ودرجته الكافية لتحقيق النصر؟! تلك النظرة التى لم تخلو من سيطرة النزعة المادية أيضًا عندما نراه يقارن بين درجات إيمان الأفراد بالنسب المئوية! ثم يتساءل عن سر هزيمة الشخص المؤمن التقى والورع بذنب صاحبه (بشكل آخر محيطه أو مجتمعه) عندما تقل درجة إيمان هذا المحيط عن النسبة المطلوبة! لنجده يخرج علينا بهذا المفهوم من السياق: طالما أننا لا نرى فرقًا بين من كان مؤمنا وغير مؤمن فى مسألة تحقق النصر، إذن دعونا نخرج قضية الإيمان من المعادلة!!
إن هذا المعنى لا يساهم إلا فى ترسيخ فكر المرجئة القديم فى فصل الإيمان عن العمل وإنكار علاقة الإيمان مطلقًا بتحقق النصر، كما أنها لا تنم سوى عن ضعف وقصور شديد فى إدراك مفهومى الإيمان والنصر الحقيقى بل وعن عدل الله وكيفية تحققه فى المجتمع.
فالله سبحانه وتعالى لا يقيس إيمان الفرد بتلك الطريقة السطحية المبنية على القيام بالأفعال الظاهرية مثل قيام الليل والاستغفار وغض البصر، بل إن مفهوم الإيمان الحقيقى هو كما وصفه الرسول الكريم بأنه (ما وقر فى القلب وصدقه العمل) وهو ما يضع شرطًا ضروريَا للإيمان وهو ترسخ المفاهيم والاعتقادات الإيمانية فى النفس بحيث يكون العمل مصداقًا وترجمة وانعكاسًا مباشرًا وتلقائيًا لها، وهو ما يخرجنا من دائرة الظاهر للتأكيد على أهمية الباطن، وما أكثر من نراهم ظاهريًا يلتزمون بالسلوكيات التعبدية أمام الناس وهم أبعد ما يكونون عن منزلة الإيمان بمفهومه الحقيقى.


التفسيرات الظنية الاستحسانية للنصوص

فى مواضع مختلفة من المقال نجد نوعًا آخر من المغالطات يتمثل فى اعتماد الكاتب على التفسيرات الاستحسانية الظنية المبنية على الهوى والرأى الشخصى دون دليل لعدد من الروايات والنصوص، فعل سبيل المثال يستشهد بغزوة أُحد حيث يدعى أن سبب الهزيمة هو عدم إطاعة الخطة المحكمة للمعركة من وجهة نظر تكتيكية وليس بسبب معصية الرسول (ص) وطغيان شهوة التكالب على جمع الغنائم الحربية، وهو لعمرى استدلال يفتقد لأى مرجح، اللهم إن كانت النظرة العلمانية المادية التى تنزع القداسة والقيمة وتحول كل شئ إلى قضية مادية دنيوية بحتة، فما هو قوله فى الدليل النصى الذى جاء فى هذه الحادثة من قول الله تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ)، ( والرسول يدعوكم فى أخراكم)، وما هو المرجح لتفسيره المتهاوى ذلك؟
نفس الأمر نراه فى تفسيره لأمر غزوة حنين ولوم الله تعالى للمؤمنين فينفى كون ذلك بسبب العجب بكثرتهم والشعور بالقدرة والاستقلالية عن مشيئة الله تعالى، بل يؤوله إلى الاستهتار بالخصوم مما أدى إلى التساهل فى المعركة وساهم فى علو ناصية الأعداء على المسلمين!
ثم يختم موقفه بتفسير آخر يلوى فيه عنق النصوص بشكل واضح حين يتحدث عن موقف عمر بن الخطاب من عزل القائد الحربى خالد بن الوليد، فينفى أن تكون الدلالة متعلقة بتخوف عمر أن يثق الناس بقدرة خالد على نحو مستقل وفقدان إيمانهم وثقتهم بالله، ويرجعه فقط إلى تخوفه من فقدان الناس الثقة فى أى قيادة أخرى!
إن هذا التفسير الاستحسانى والشخصى للآيات والأحداث التاريخية وإسقاطه على المعنى الدقيق الذى يريده الكاتب هو كارثة معرفية وعلمية ودينية تفتح الطريق لكل خائض وصاحب رأى وهوى لكى يفسر النصوص والأحداث كما يريد، وفى علوم التفسير نعرف أنه لا تفسير أو تأويل إلا بدليل معتبر عقلًا وشرعا.

عشوائية المنهج المعرفي

بالرغم من محاولة الكاتب ترسيخ هذا المفهوم المادى للنصر إلا أننا نجد بعض الجمل المتناثرة خلال المقال تتحدث عن شأنية الله والمعنويات وعلاقتها بأمر النصر أو الهزيمة، وذلك فى حديثه عن قصة أصحاب الأخدود وفى تطرقه لحادثة غزوة حنين واعترافه بأن " كثرة العدد لا تغني شيئـًا لو أراد الله أن يضرهم، فهو مالك الملك."
إن هذه التناقضات إنما توحى بالتشتت والتخبط وغياب الرؤية وعشوائية المنهج لدى صاحب المقال، فقد أخرج الله والمعنويات من الباب ثم حاول أن يدخلهم غفلة من الشباك، والحقيقة أننا لو تساهلنا معه لقلنا أنه يحاول أن يقدم رؤية أوسع تضع الله والمعنويات في المعادلة مما سبقت في أول المقال لتصبح أكثر مقبولية، لكنها تظل تفتقد للتوازن حيث ترجح الكفة المادية وتفتقر للاستدلال الصحيح وتشوبها قراءة هوائية لا دليل عليها من النص والحدث التاريخي.
فى نهاية المقال أيضًا تطالعنا الفقرة التالية "لن تعرف طيلة حياتك هل كنت من أهل الحق أم لا، وهل تدخل الله لنصرتك أم لا"، وفى هذا المقام تبدو لنا محاولة نفى قدرة الإنسان على معرفة صحة أو خطأ اختياراته أو التمييز بين طريق الحق من الباطل، وهو الأمر الذى يخالف منطق العقل الذى يستطيع الاستدلال من خلال مقدمات يقينية وبديهية على صحة أوخطأ المعرفة النظرية التى يكتسبها كما يستطيع التمييز بين الحسن والقبيح من الأفعال، ولعمرى لو كان الأمر كما يصور الكاتب ماذا يتبقى سوى تمام العبثية وانتفاء القدرة على الاختيار الإنسانى عندما تستحيل أمام الإنسان طرق معرفة الحق؟!
إن هذا التدارك الأخير إنما يمثل أخطر ما جاء فى المقال من الخلط الشديد بين نسبية وعشوائية المنهج المعرفى وبين معرفة الحكمة الإلهية من بعض الابتلاءات أو النعم، فالأولى ستؤدى حتمًا إلى انتفاء القدرة على المعرفة وإقرار النسبية والعدمية، وإنكار كل معنى بما فيها معنى الوجود نفسه، أما الثانية فتفتح الباب لتحرى الحق والصدق والأخذ بالأسباب على قدر الاستطاعة ثم التوكل بالله وأخذ الأسباب، وأخيرًا الصبر والرضا بقضائه، وشتان ما بين الأمرين.


المعجزة والتأييد الإلهى

فى جزء آخر من المقال نشهد عددًا آخر من المغالطات والتباس المفاهيم المتعلقة بقضية المعجزة والتأييد أو التسديد الإلهى، يبدأها الكاتب بتصوير أمر المعجزة بكونها أمرًا خارقًا واستثناءً من قوانين الطبيعة المادية، فتصبح أمرًا خارجًا عن نطاق العقل والإدراك. والحقيقة أن المعجزة ليست مخالفة للعقل ولكنها فقط مخالفة للعادة والعرف العام وبينهما فارق، فالأولى تدعى حدوث نتيجة بدون مقدمات أو أسباب وهو محال، أما الثانية فتعترف بخضوع المعجزة لقانون العلية إلا أن أسبابها قد تكون غير معروفة أو ليست مما جرت عليه العادة لدى أصحابها، ونحن فى حياتنا المعاصرة نجد العلم الحديث قد أثبت ذلك باكتشافه للعديد من القوانين المفسرة للظواهر الطبيعية التى كانت مجهولة من قبل، كما يقر بوجود الطفرات وهى الحوادث التى لا تتكرر بشكل دائم وإنما تحدث على سبيل الندرة وفى حالات خاصة جدا وكل ذلك لا يعنى أنها خارجة عن نطاق العلل والأسباب.
هذا التصور الخاطئ لعدم خضوع المعجزة للأسباب الطبيعية هو ما ترتب عليه الاعتقاد الخاطئ الذى وصفه الكاتب أيضًا بأن الله يتدخل بشكل جبرى من خلال المعجزة أو "هدية السماء" - على حد تعبيره - لنصرة من يؤيده، وهو القول الذى يؤدى إلى سقوط الاختبار والتكليف وينفى الغاية من الوجود الإنسانى التى تعلقت إرادة الله بكونها مختارة ولديها إرادة حرة فى الفعل، كما أن فيه نسبة للظلم إلى الله وتشكيك فى عدله.
والخطأ الآخر الذى وقع فيه الكاتب هو المتعلق بقصره لأمر التأييد الإلهى على الأنبياء وحدهم اعتقادًا بأن ذلك التأييد لا يُمنح سوى للمعصومين وليس لمن كان يصيب ويخطئ مثل عامة الناس، وهو قول مضحك، فالأولى أن يؤيدنا الله عندما نكون على حق ويرفع عنا تأييده عندما نكون على الباطل، ومن قال إن الهام الله لنا لاكتشاف ثغرة فى خطة العدو أو اتخاذه قرارًا غير حكيم لا يعد على سبيل التأييد والتسديد من الله!
إن المعجزات وإن اختص بها الأنبياء كنوع من التأييد الخارق للعادة أمام أقوامهم فإن ذلك لا ينفى استحقاق غيرهم لهذا التأييد طالما استوفوا شروطه الإيمانية ووقفوا فيه إلى جانب الحق بإخلاص وصدق ويقين، ولكن كما يبدو فإن الكاتب أراد بهذا الجزء التأكيد على فاعلية العلل المادية وحدها كمسبب للنصر وكأن لسان حاله يحث الآخرين بعدم التوقف لحالهم مع الله أو اهتمامهم لأمر الله فى تأييدهم أو نصرتهم، وهو نوع آخر من دس السم فى العسل يحاول به ترسيخ ذلك الاتجاه العلمانى الذى يسعى لنزع أى علاقة لله وتدخل له فى أمور حياتنا الجزئية والعملية.

من أين يأتى النصر؟

إن تحصيل المفهوم الحقيقى للنصر يرتبط بالرؤية المعرفية للإنسان التى تشكل مفاهيمه، وهو ما يؤكد سيطرة الرؤية المادية المستمدة من الفلسفة المادية الغربية التى طمست هويتنا وشوهت مفاهيمنا نتيجة لهيمنة النظام العالمى برؤيته وأيدولوجياته المادية الاستعمارية، وهى الرؤية التى لا تؤمن سوى بنصر التغلب والقهر ولا تقيسه سوى بحساب المكاسب والخسائر المادية وعدد القتلى فى الطرفين ومدى تقدم وتطور الآلة المادية العسكرية.

أما الرؤية الإلهية فهى التى تضع الله فى مركز الكون وتعتبره هو الموجد لكل الأسباب وهو العلة الإيجادية التامة لكل معلول، وبناء عليه فإن كل أسباب النصر على اختلافها هى منه وتعود إليه، وفى مقام توحيد الربوبية ندرك أن لا رب ولا مدبر ولا فاعل إلا الله، وهو ما يضع تفسيرًا للآية (وما النصر إلا من عند الله).

هل تنتفى بذلك مسؤولية الإنسان فى صناعة النصر؟

إن مسؤولية الإنسان وحاجته إلى أن يأخذ بالأسباب المادية والمعنوية لا تنتفى لتحقيق النصر، فمع كون الله سبحانه هو الفاعل والمسبب الأول ولكن فعل الله فى العالم المادى (الدنيا) لا يكون بشكل مباشر بل يأتى من خلال سلسلة أو واسطة من الأسباب التى تسمى بالأسباب الإعدادية، وهذه الأسباب لا تستغنى فى وجودها عن الله ولا تسود أو تنفذ إرادتها بشكل مستقل وإنما تكون فى طول إرادة الله وربوبيته، –مثل أننا ندرك جيدًا أن الله هو الخالق ومع هذا يحتاج الطفل لأب وأم لكى يولد –وهؤلاء يحتاجون أيضًا لأسباب لإيجادهما، وهكذا تترتب العلل والمسببات حتى تنتهى الى الله فجميع تلك الأسباب المتوسطة تحتاح إليه فى الوجود.
فعندما يقول الله فى معرض آيات النصر (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، فهو يعنى أن الله هو الذى منحك الإرادة التى اخترت بها أن ترمى، ومنحك القوة والقدرة التى رميت بها، لذلك تعتبر إرادتك وقدرتك هى واسطة الأسباب والتى بدون إيجادها عن طريق الله لم تكن النتيجة (النصر) ليتحقق.

مفهوم النصر الحقيقى

فى مسألة النصر تتنوع هذه العلل الإعدادية لتشمل كل من العلل المادية من حسن التخطيط وفهم الواقع والكفاءة والحنكة والمهارة العسكرية واتخاذ أسباب القوة المادية وغيرها، كما أنها تشمل عللا معنوية منها الصبر والتضحية والإيمان والتقوى وصلاح النفس ومعرفة الحق والتزام جانبه بصدق التوجه.
والتصورات الإلهية تصيغ مفهوم النصر الحقيقى على المستوى الفردى فى تحلى الإنسان بالأسباب المعنوية فيفوز بالسعادة والقرب من الإله، وعلى المستوى المجتمعى فبالإضافة لصلاح أفراده يحتاجون للأخذ بالأسباب المادية من أجل تحقيق عدالة الله فى الأرض والانتصار على الظلم والفساد فى المجتمع، من هنا يصبح جهاد الفرد وصبره وتضحيته في المعركة فوزًا ونصرا حتى لو انتهى لهزيمة مادية، ومن هنا أيضًا ندرك أن الله لا يمنح نصره الشامل للمجتمع إذا لم يتمتع حد معقول منهم بالكمالات الحقيقية بعيدًا عن  البحث عن الشهوة أو الشهرة أو السلطة، ودون أن تتوفر لهم أيضًا شروط أساسية من فهم الواقع وكيفية إرساء العدل والوحدة والتعاون على الأهداف، من دون أن يضر أو ينقص ذلك من جزاء أفراده المؤمنين شيئًا.
ولما كان الأصل للأسباب المعنوية بدون إهمال الأسباب المادية، لذلك كان تأييد الله للمؤمنين على قلة العدد فهؤلاء استوفوا الشروط المعنوية وجاهدوا قدر طاقتهم لاستيفاء العلل المادية فاستحقوا تأييد الله ونصرته، ولذلك كانت أيضًا هزيمة من يقف إلى جانب الحق أحيانًا عندما يهمل العناية بأسباب القوة.

النصر المادى

يطالبنا الكاتب فى نهاية مقاله بالسعى إلي تحقيق النصر المادى الدنيوى فقط فهل هذا هو النصر الحقيقى الذى نبحث عنه؟ إن من يأخذ بأسباب النصر المادية فقط يمكن أن يحقق نصرًا على المستوى المادى ولكنه لن يكون نصرًا بالمفهوم الحقيقى، ففى مسائل النصر المادى يستوى المؤمن والكافر (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك)، وهو ما يفسر تحقق نصر القوة والغلبة للبعض حتى مع كونهم يقفون إلى جانب الباطل.
لكن الحقيقة أن أهل الحق لا يهمهم تحقق النصر المادى فى حياتهم أو لا، فكل المكاسب المادية أو هزيمة النصر فى جولة لا تعنى أنه باطل، فالحق هو الحق فى ذاته وليس حق القوة وليس مع المتغلب، وبالتالى فلا ينبغى أن يصبح الغرض هو البحث عن تحقيق أى نصر مهما كان، بل يجب علينا معرفة ماهية النصر الحق ومن ثم نتوجه إليه (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)

عدل الله

 نتيجة لغياب بعض العلل الإعدادية ووجود الموانع ومحدودية مشيئة الإنسان وإراداته ففى النهاية قد يجتهد للأخذ بجميع الأسباب ثم لا يتحقق النصر المادى، لذلك يخبرنا الله أن على الإنسان السعى وليس عليه إدراك النتائج وهو عين عدل الله، فالله سبحانه لم يكلف البشر ويحاسبهم على تحقق نتائج أفعالهم بل يحاسبهم قدر وسعهم وطاقتهم على الفعل، وعلى توجههم أكان فى طريق الخير والحق ونصرته أم فى طريق نصرة الزيف والباطل والشيطان ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى)
كما أن عدم تحقق النصر المادى قد يكون لحكمة من الله أو تعلق لإرادته بأمر آخر، فقد تتعلق بالابتلاء لتمحيص المؤمن من الكافر أو لادخاره الجزاء فى الآخرة ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون).
كما أن الانتصار على الظلم وإرساء قواعد المجتمع العادل لا يتعارض مع كون المجتمع فقيرًا أو يمر بابتلاءات مادية نتيجة للنقص الموجود في عالم المادة، أو لمحاربة المجتمعات الظالمة له، من خلال كل ذلك يمكن لنا أن ندرك مدى تهافت أسئلة الكاتب الاستنكارية حين يقول " لم يستجب الله للشاب المستغيث ولم ينصره بالشكل الذى أراد" أو عندما يتساءل "ما السر الذى جعل النصر يتأخر قرابة عام كامل ؟! "
ولا يمكن أن تتعلق إرادة الله بالنصر بعد أن تتحقق الأسباب من جانبا ثم لا ينصرنا الله، لأن هذا القول ينسب الظلم للإله إما لعجز لديه أو لفقر أو لجهل وكل ذلك عليه محال (وما ربك بظلام للعبيد)،  فعدالة الله قد تحققت بالفعل عندما خلق لنا النظام والكون على أفضل استعداد ممكن، وعندما أرسل لنا الخطة التفصيلية لإقامة العدل على الأرض ولم يترك سببًا لتعريفنا بها وإقامة الحجة علينا إلا وفعله من إرسال للكتب والرسالات والهداة، وما يتبقى علينا هو أن نختار بإرادتنا الحرة التزامنا بها أم لا، وعليه فكل ظلم وكل شر فى الأرض هو نتاج لأفعالنا نحن فقط وليس لأحد آخر، نحن من نختار نصرة الحق أو الباطل، ونحن من سننجو ونستفيد إن اتبعنا وأطعنا واهتدينا، ونحن من سنخسر دنيانا وآخرتنا إن أعرضنا، وتظل سنة الله الكونية وقانونه فى الأرض (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) و (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)

هل أخذنا بالأسباب؟

إن الهزيمة التى منينا بها فى السنوات الأخيرة تجعلنا ندرك أن ثمة فارق كبير بين من يحمل فكر وهم ورسالة المجتمع الفاضل والعادل وبين من يحمل فكر الثورة فقط, فالأخير رافض للظلم بدون أن يدرك معايير العدل أو يملك رؤية لما هو قادم وقد يمارس أفعال الطغاة والظالمين فى حركاته دون التقيد بالمبادئ الأخلاقية والاجتماعية، لذلك تحتاج الثورة إلى الفكر قبل الحركة ثم إلى النفوس المجاهدة المضحية التى آمنت بالعدل سبيلا وغاية، وليس فقط إلى من يسعى وراء النصر المادى –هذا إن استوفى أسبابه– أو من يسعى وراء حرية المصالح والشهوات.




نُشر المقال النقدى على موقع ساسة بوست بتاريخ 11-7-2015
https://www.sasapost.com/opinion/criticism-of-an-article-which-is-god-donthelp-us/

No comments:

Post a Comment