Monday, April 1, 2019

صناعة النخب


فى كل مرة يرحل فيها عن عالمنا أحد المشاهير أو الشخصيات العامة المعروفة الذين أثروا بابداعهم مجالات الفن أو الفكر أو الأدب تبتدرنى أمى بتساؤل هو أقرب الى التحسر والتأسى الذى لا ينتظر ردًا بقولها " معقول الناس دى هيجى زيهم تانى ؟!" وأشرد بذهنى مع تساؤل أمى الذى آخذه على محمل الجد لأفكر حقًا لماذا لم نعد نشهد ميلاد أو ظهور العديد من المتميزين فى المجالات المختلفة فى جيلنا الحالى كهؤلاء الذين كنا نسمع عنهم فيما مضى وتفتح وعينا على الكثيرين منهم والذين أضافوا بابداعهم لهذا المجتمع؟ وهل حقًا نضب معين هذا الجيل بحيث انعدمت المواهب والقدرات المميزة فيه؟! أم أنه لا تزال كوامن واستعدادات تلك القدرات والمواهب موجودة لدى الأفراد إلا أنها لا تلقى الدعم والاهتمام الكافيين من المجتمع المحيط لبلورتها وصياغتها بالشكل المناسب؟!

ربما يعارضنى البعض باشارته الى الساحة الفنية بقوله كيف تدعى أننا عدمنا وجود المتميزين والكفاءات فى الوقت الذى نجد فيه من يخرج علينا كل يوم تقريبًا فى هيئة مطرب أو ممثل جديد حتى أصبحت تلك الساحة تعج بالعديد منهم ! ألا ترى وتتابع كل تلك الوجوه الجديدة وكل هذه الأعمال الفنية التى تظهر باستمرار ؟!
إن المتأمل السريع فى هذا القول سيجد صاحبه منصفًا بكل تأكيد فما أكثر أعداد هؤلاء بالفعل التى أصبحت من الكثرة بحيث يصعب حصرها، وما أكثر الجهات التى تكدّ من أجل اكتشاف وتنمية المواهب الفنية – التى تم اختزالها حصرًا فى فئة الغناء والتمثيل أو كرة القدم- وتحيطها بالبريق وتحفّها بالأضواء، ولكن هل يمكن القول أنه على كثرتهم يمكن أن يشار بالبنان إلى أحدهم أو بعضهم على وجه التحديد ممن هو صاحب بصمة أو أثر مميز أو مبدع بحيث يمكن القول أنه قد أضاف الى مجاله بالقدر الذى يستلزم معه تذكرهم بهذا الأثر بعد الرحيل؟!

إن النظرة المتجردة لهذه الكثرة ستجدها كغثاء السيل الذى لا يسمن أو يغنى من جوع، كلهم متشابهون تغلفهم سمة النمطية والتكرار فى الشكل أو الأداء،  قلما تجد لأحدهم سجلًا مميزًا أو هوية خاصة تمنحه القدرة على لفت النظر فضلًا عن الاستمرارية، فأصبحنا نشاهد ذلك الظهور السريع ومن ثم الأفول السريع أيضًا لتتجدد القائمة باستمرار فى تتابع مضنى لاستنساخ نفسها فى صور جديدة. فهل نحن فى حاجة بالفعل الى هذا العدد الضخم من الفنانين فى الوقت الذى نعانى فيه من ندرة فى وجود أية شخصيات واعدة فى فئة العلماء والمكتشفين والكتّاب والنقاد والمثقفين والأطباء والمهندسين والصحفيين وغيرهم ؟!

أذكر إنى منذ عدة أيام شاهدت على سبيل الصدفة أحد تلك البرامج الاعلامية والتى لا هم لها سوى استضافة تلك الرموز الفنية وملء وقت فراغهم بالحديث عن حياتهم الشخصية وتوافه الأمور التى لا تهم الإنسان العادى من قريب أو بعيد، ووجدت اشادة واحتفالا وترحيبا مبالغا فيه بأحد الشخصيات السينمائية وذلك على خلفية فوزها بجائزة كبرى فى أحد المهرجانات فى أول عمل فنى يسند لها وأول ظهور لها على الاطلاق، فما هو الابداع الذى صنعه هذا الشخص وما التاريخ الفنى الذى يحمله أو التميز الحقيقى الذى استطاع أن يحققه من أول اطلاله له بحيث يستحق مثل هذه المبالغة فى الثناء والاشادة ومن ثم افراد الوقت للحديث عنه وتسليط الضوء عليه سوى كونه أول شخص يحصل على جائزة بعد أول أدواره وفقط؟!!

إن من أهم مقومات أى مجتمع هى موارده البشرية بما يملكه من طاقات وكفاءات ومميزات خاصة لا بد وأنها موجودة ولكن أين يذهب هؤلاء؟ إن نظرة الى مجتمع لا يملك رؤية استشرافية لمستقبل وطنه ولا يشغل بال القائمين عليه سوى التنافس المادى والصراع السلطوى والمصالح النفعية الشخصية لن تكون خطط النهضة والبناء والعمل على إيجاد البيئة الخصبة لاستثمار ورعاية وتنمية قدرات أبنائه على رأس أولوياته، بل إن تلك الطاقات حتمًا ستختفى وتضمحل أثناء سباقها المرير فى توفير حاجاتها المادية الأساسية، وإنشغالها باللهاث وراء النهم الاستهلاكى.

 إن المجتمع الذى تغلب عليه السطحية وافتقاده للمنطق والعقلانية والرؤية المستنيرة لن يجتهد فى صياغة طرق ملء وقت الفراغ لدى شبابه الذى يذهب هباءًا على أرصفة الطرقات وداخل المولات ووراء شاشات الانترنت والهواتف المحمولة، ولن يوظف امكاناته لتطوير العلم سوى لاستخدامه فى قهر الإرادة الإنسانية، ولن يستغل التكنولوجيا سوى فى استعمالها لتوجيه وعى أفراده وغسيل عقولهم، وسيجّد بكل تأكيد فى بلورة وزخرفة النخب التى لا تحمل قيمة الى المجتمع أو التى توظف امكاناتها سلبًا لخدمة مصالحه، وسيسعى الى المبالغة فى تمجيد الأشخاص أو الكيانات بما لا تستحقه وبناء على مواقف استثنائية.

إذا وُجدت الرؤية وُجد الهدف، والرؤية الصحيحة هى من تحدد الهدف الحقيقى الذى ينبغى أن يسعى اليه الإنسان من خلال عمله، وهو ألا يسعى لأن يخلد اسمه أو أن يتذكره الآخرون بقدر ما يسعى إلى أن يضيف قيمة ذات فائدة حقيقية لنفسه وللمجتمع، والأثر الحقيقى المطلوب تركه هو ما يؤثر فى النفوس بدفعها الى الرقى والتسامى، وهذا يجب أن يشمل كل المجالات وعلى رأسها مجالات الفكر والثقافة خاصةً، من حيث أننا أصبحنا نفتقد بشدة وجود النخب المؤثرة فيها فى مجتمعاتنا، ذلك أن تلك النخب هى من ترسم خطة النهوض وتحدد ملامح الطريق الذى ينبغى المسير فيه وتوجه طاقات أفراده لنفعه وفائدته، ولا يعنى ذلك إن الأعمال الفنية مكروهة بل هى مطلوبة إن كانت تهدف الى صناعة الجمال ونشر قيم الحق، والكثرة الكمية للمتميزين فى نفس المجال مطلوبة ولكن مع إغفال التميز على مستوى الكيف والمضمون تصبح بلا فائدة.

ومجتمعاتنا لم ولا يمكن أن تعدم وجود المواهب والمتميزين فى كل المجالات، ولكن لكى تنبغ تلك المواهب وتخرج للنور ويكون لها التأثير تحتاج لوجود الرؤية والإرادة على مستوى الفرد والمجتمع للمستقبل الذى نريد، فعلى مستوى الفرد يستطيع كل إنسان أن يحدد امكانياته وقدراته الخاصة التى مُنحها بالطبيعة ومن خلالها يقرر حدود دوره وواجبه الشخصى تجاه نهضة مجتمعه، ثم يحتاج على مستوى المجتمع لتوفر المناخ الملائم والمشجع الذى يساعده على تنمية مواهبه فى المجالات المختلفة بحيث يستثمر فيها امكانياته بالتطوير والصقل المستمر. والنجاح الحقيقى الذى يمكن لأى احد أن يدعيه او يفخر بصناعته هو النجاح الموجه لخيرية الهدف، ثم المبنى على الاخلاص والمجهود المستمر الذى لا يضع نصب عينيه المجد الشخصى بقدر ما يضع المصلحة العامة، فإن فعل ذلك كان حقًا على ذلك المجتمع أن يخلد اسمه وأن يضعه فى مصاف النخب الحقيقية التى ينبغى أن يتذكرها ويفتخر بها وتكون منهاجًا ونبراسًا ينير لغيرها الطريق ليسير على هداها.


كتبت بتاريخ 29 مارس 2017

No comments:

Post a Comment