Monday, April 1, 2019

فى يوم المرأة، هل كرمناها حقًا ؟


فى يوم 8 مارس عام 1908 خرجت الآلاف من عاملات النسيج فى مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية فى مظاهرات احتجاجية اعتراضًا على الظروف اللاانسانية التى كانت تجبر النساء وقتها على العمل تحتها، وكانت من جملة مطالبهم تحسين ظروف العمل ومنح النساء حق التصويت، وقد شكلت هذه الحركة بداية تحركات نسائية أخرى موجهة الى المطالبة بحقوق المرأة على جميع الأصعدة وخاصة السياسية ومساواتها بالرجل، وقد وجدت تلك الدعوات لنفسها طريقًا للانتشار فى الولايات المتحدة وأوروبا والدول الغربية تحديدًا على مدار عشرات السنوات حاملة فى مضمونها اعترافًا صريحًا بمدى فداحة الظلم السياسى والاجتماعى والحقوقى الواقع على المرأة فى تلك الفترات، فكان شعارها الأساسى والرئيسى باختلاف تفصيلاته هو الدعوة الى تحرر المرأة الكامل من كافة أشكال الظلم والاضطهاد والمطالبة بالحقوق المسلوبة. وقد جاء قرار منظمة الأمم المتحدة فى عام 1977 بتخصيص يوم الثامن من شهر مارس كيوم سنوى للاحتفال عالميًا بالمرأة كأثر لحركات النضال النسائية التى استمرت لسنوات ونتيجة لاصدار العديد من المقترحات من جانب دول الغرب بأمريكا وأوروبا بتخصيص يوم للاحتفال بالمرأة.

إن هذا التخصيص والاحتفال إنما جاء ليكون معبرًا عن نجاح المرأة فى نيل حرياتها واستعادة كرامتها المفقودة، ولكى تكون دعوة لجميع دول العالم بالاقتداء بنموذج الدول الغربية فى السير على نفس درب الرقى الحضارى الذى تبنته باتجاه المرأة وانصافها وتكريمها، فهل تم انصاف المرأة غربيًا وعالميًا بالفعل؟ وهل يمكن القول اليوم أن المرأة الغربية قد حصلت على جميع حقوقها المسلوبة؟ وأنها فى ظل هذا النظام العالمى الذى نعيشه اليوم هى أكثر كرامة وصيانة وحفظًا من ذى قبل بحيث يمكن لنا أن نفخر بمدى الحرية التى وصلت اليها؟

إن من أهم ملامح وسمات الفلسفة الغربية المادية فى عصرها الحالى فى ما بعد الحداثة و الذى يؤرخ له تحديدًا بنهايات الحرب العالمية الثانية، أن تحول اهتمام الأفراد نحو نزع القداسة عن كل قيمة ومعنى سوى قيمة المادة، فلا تمجيد سوى لقيمة اللذة المادية ولا سعادة سوى تلك الناجمة عنها، حيث تضافرت جهود كل المؤسسات والقوانين لتعظيم قيمة تلك اللذة وربط سعادة الإنسان بها من خلال تعظيم قيمة الشهوة فى جميع أشكالها؛ بما فيها شهوة الامتلاك، شهوة السيطرة، وشهوة الجنس، وهو ما نتج عنه سيادة لثقافة الاستهلاك وثقافة الحرية الجنسية بشكل عام، من قبيل الممارسة الجنسية العلنية، الاجهاض، العرى العلنى، اصدار ونشر المواد الإباحية من مطبوعات وأفلام سينمائية ومواقع للانترنت، صناعة واستهلاك الحبوب المثيرة للشهوة، تقنين الدعارة، والمثلية الجنسية وغيرها الكثير.

هذا المعنى الرئيسى لمادية السعادة فى فلسفة الحضارة الغربية هو ما أكد عنه الدكتور المسيري موضحًا كيف أن (يتحول العالم بأسره على مادة استعمالية لا قداسة لها ولا خصوصية ولا مرجعية لها سوى المرجعية الكامنة فى المادة، أي ما يسمى بقوانين الحركة، (آليات السوق- المنفعة المادية- شهوة السلطة- الجنس- علاقات الانتاج). ومن ثم يمكن توظيف هذه المادة فى أي غرض وبأي طريقة دون أي تحفظات أو حرج.)[1]

فيا تُرى أين كان موقع المرأة فى ظل هذه الفلسفة المادية ! 
لقد كانت النتيجة أن سخرت الحضارة الغربية المرأة لخدمة كل أهدافها النفعية والمادية، فاستبيحت المرأة وتم استغلالها بحيث صارت تعامل كالسلعة التى لا قيمة لها سوى اثارة شهوة الرجل، واثارة النزعات الاستهلاكية، وأصبحت مادة استعمالية لاستهلاك منتجات شركات التجميل وتجار الجنس ومصدر الثروة لأباطرة الدعاية والاعلام وشركات الانتاج السينمائى والفيديو كليب، وأصبحت الاعلانات التجارية لا تكاد تخلو من صورة أمرأة جميلة وشبه عارية تتغنى فى دلال، وصار الاغراء مهنة، وأصبح الرجل الغربى يبيع أمه وزوجته وابنته على الشاشات والاعلانات على صفحات المجلات والأرصفة والمواقع التى لا غنى فيها عن استغلال جمال المراة وجاذبيتها للترويج للسلع المختلفة ولزيادة نسبة المشاهدة على القنوات والبرامج الاعلامية ولم يسلم من ذلك حتى نشرات الأخبار. فإن كان "هدف الإعلان التليفزيوني اقتصادي استهلاكي (بيع سلعة ما) ولكنه يوظف الجنس للترويج لهذه السلعة، ... فاحتساء الشاي لا تكتمل متعته إلا من أيد رقيقة!! والإعلانات عن قشرة الشعر أو البشرة تجعلنا نحس أن الجنس البشري كله قد أصيب فجأة بالأمراض الجلدية! ولكن لو شفي المرء منها فإن جاذبيته الجنسية لا يمكن أن تقاوم ! "[2]
تطالعنا احصائيات منظمة الصحة العالمية عام 2013 بإن 35% من نساء العالم يتعرضن لأحد مظاهر الأذى الجسدى بداية من الضرب والتشريد مرورًا بالاجهاض ونهاية بالتعذيب أو القتل أو الاتجار. كما تؤكد التقارير على أن ما لا يقل من 30% من النساء حول العالم تعرضن فى حياتهم لمرة واحدة على الأقل لشكل من أشكال العنف الجنسى سواء بالتحرش أو الاغتصاب. وتشير التقديرات إلى أكثر من 130 مليون امرأة وفتاة تعرضت للتشويه الجنسى. أما عن حجم المبيعات العالمية في مستحضرات التجميل فقد بلغت وفقًا للتقارير 170 مليار دولار، 40 مليارا منها في الأميركتين، و60 مليارا في أوروبا، و60 مليارا في أستراليا وآسيا، و10 مليارات في إفريقيا. كما أكدت التقارير نجاح صناعة مستحضرات التجميل في توليد 35 مليار دولار في الاقتصاد العالمي في عام 2010م، وتوقع استمرار معدل النمو المستقبلي يمكن أن تصل الى 42 مليار دولار.
إن كل هذا إنما يدل على أن هذا العصر الذى نعيشه فى ظل انتشار ثقافة الحضارة الغربية والنظام العالمي الحالي هو عصر استعباد المرأة واستغلالها بامتياز كرمز للشهوة والاستهلاك، وتوظيفها كأيقونة للانتفاع والدعاية بهدف زيادة الأرباح وتعظيم قيمة اللذة وتنمية الجانب الحيوانى لدى البشر!! وإن كانت تلك الثقافة هى واقع حال العالم الغربى اليوم ففى مقابل هذه المنظومة التى حقرت من شأن المرأة وأهانتها وسلبت منها كل معانى العزة والكرامة وحولتها إلى عنصر فساد فى المجتمع، كانت الرؤية الآلهية التى عظمت من شأن المرأة واعتبرتها شريك فى الإنسانية وعنصرًا فعالًا له دوره الإيجابى فى بناء الإنسان والمجتمع وتقرير مصائر الأوطان، وأرسلت التشريعات والقوانين التى تكفل للمرأة حقوقها فى كافة المجالات فى نفس الوقت الذى تصون فيه عفتها وحيائها. فهل هذا هو التكريم المصدَّر إلينا من الخارج هو التكريم الملائم للمرأة؟! وأى حرية وحقوق للمرأة يمكن للمجتمع الغربى الادعاء بها بعد ذلك؟!!

المصادر:
-ويكيبيدا
- موقع مقالات د. عبد الوهاب المسيرى 


- موقع منظمة الصحة العالمية







[1] (الأمركة والكوكلة والعلمنة) د. عبد الوهاب المسيري
[2] (الاعلام والامبريالية النفسية) د. عبد الوهاب المسيري

كتبت بتاريخ 10 أبريل 2016

No comments:

Post a Comment