Monday, April 1, 2019

بين طبقات المجتمع وأقسام العقل


يعتبر (أبو النصر الفارابى) واحداً من الأسماء الكبرى فى تاريخ الفكر والفلسفة الاسلامية وأول فيلسوف مسلم يربط الفلسفة بالاسلام ويجعلها مفهومه بالعقل فى نطاق الدين.


ويعتبر كتاب الفارابى "آراء أهل المدينة الفاضلة" هو عمدة مؤلفاته فى الفلسفة وعلم الاجتماع السياسى، فهو الكتاب الذى يؤسس لثقافة ونظرية (الكل متصل) التى تقدم رؤية شاملة للكون من منظور نظرية الخلق الآلهى بمكوناته الأساسية (الله –الطبيعة – الانسان)، والذى وضع من خلاله مفهومه المتكامل عن وحدة الطبيعة والانسان وأقسام العقل وطبقات المجتمع.

ويمكن القول أن "آراء أهل المدينة الفاضلة" هو المعادل لـ "جمهورية أفلاطون" فكلاهما طرح الأسس الفلسفية لبناء مجتمع مثالى قائم على الأخلاق، وبدا فيه التأثر بأرسطو فى مفهومه لحقيقة أن الانسان كائن اجتماعى وحاجة الانسان الى المجتمعات. وهو فى ذلك يقول" وكل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج فى قوامه وفى أن يبلغ أفضل كمالاته، الى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده ، بل يحتاج الى قوم يقوم له كل واحد منهم بشىء مما يحتاج اليه، وكل واحد من كل واحد بهذه الحال. فلذلك لا يمكن أن يكون الانسان ينال الكمال الذى لأجله جعلت الفطرة الطبيعية الا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين، يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج اليه فى قوامه، فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد، جميع ما يحتاج اليه فى قوامه وفى أن يبلغ الكمال" 1

ويمكن تقسيم ما تناوله الكتاب الى قسمين:
-         قسم يتعلق برؤيته الفلسفية من حيث رؤيته للخالق عز وجل، الواجد لسائر الموجودات والطبيعة والنفس الانسانية والكواكب والاجرام السماوية وموقع الانسان من باقى المخلوقات
-         وقسم يتعلق برؤيته الاجتماعية السياسية والذى تجلت فيه عبقريته فى بيان رؤيته للمجتمع الانسانى وصفاته وطبقاته، ودور الانسان كقائد للتطور.


وفى الاطار الثانى يقسم الفارابى مواطنى الدولة الى ثلاث طبقات:
1.     طبقة الحكماء والفلاسفة الذين يعرفون طبيعة الأشياء بالبراهين
2.     أتباع الطبقة الأولى الذين يثقون فى استبصار الحكماء ويقبلون حكمهم
3.     باقى المواطنين الذين يعرفون الأشياء بالتشبيه والتمثيل فحسب
يقول" وهذه الأشياء تعرف بأحد وجهين: اما أن ترتسم فى نفوسهم كما هى موجودة، واما أن ترتسم فيها بالمناسبة والتمثيل، وذلك أن يحصل فى نفوسهم مثالاتُها التى تحاكيها. فحكماء المدينة الفاضلة هم الذين يعرفون هذه ببراهين وببصائر أنفسهم. ومن يلى الحكماء يعرفون هذه على ما هى عليه موجودة ببصائر الحكماء اباعاً لهم وتصديقًا لهم وثقة بهم. والباقون منهم يعرفونها بالمثالات التى تحاكيها، لانهم  لا هيئة فى أذهانهم لتفهمها على ما هى موجودة اما بالطبع واما بالعادة، وكلتاهما معرفتان. الا أن التى للحكيم أفضل لا محالة" 2

أما بالنسبة لأقسام العقل فهو يقسم العقل الانسانى الى عقل عملى وعقل نظرى، ثم يقسم العقل النظرى الى عقل بالقوة وعقل بالفعل وعقل مستفاد. وربط بعد ذلك العقل المستفاد بالعقل الفعال لكى تحصل المعرفة الانسانية.

ويمكن تفصيل ذلك على النحو التالى:
" طبقة الحكماء والفلاسفة" هى التى تقابل بالمعنى " العقل بالقوة" وهذا يعنى أن معيار القوة عند الفارابى هو قوة العقل أو الفكر الذى تكمن فيه القدرة على استنباط قوانين الطبيعة وقوانين حركة المجتمع. ثم ان الطبقة التالية التابعة لطبقة الحكماء تقابل بالمعنى " العقل بالفعل" وهى الطبقة المنوط بها تنفيذ وتطبيق القوانين التى استنبطتها الطبقة العليا "طبقة الحكماء" وذلك لأنها تثق  فيها وتاخذ أحكامها بيقين فهى وإن كانت ليست مبدعة إلا أنها تتميز بالقدرة على التمييز وإعمال الفكر وهذا يفرقها بالضرورة عن طبقة "المواطنين" التى تقابل بالمعنى " العقل المستفاد" وليس "المتلقى" وهو ما يحمل فى مضمونه تقديراً أدبيًا ومعنويًا للمواطنين باعتبارهم محصلة القوة الاجتماعية وهم أيضًا الغالبية العظمى الذين يشكلون قاعدة المجتمع ومن شأنها حق الاستفادة من القوانين التى تسود المجتمع. 


ومن هنا يمكن القول أن الفارابى قد وضع الانسان" قائداً للتطور " حيث أن العقل الانسانى هو محتوى " الفكر" وحيث أن الفعل الانسانى مناطه "الارادة" وهما معًا (الفكر والارادة) يشكلان العلاقة العضوية بين العقل والفعل.

ويمكن تلخيص المسألة على النحو التالى:
ينقسم المجتمع – حسب الفارابى- الى ثلاث طبقات (علم الاجتماع)، وينقسم العقل الى ثلاثة أقسام (علم الفلسفة) يبقى علينا الربط بين طبقات المجتمع وأقسام العقل (علم المنطق)، اذن يقوم العقل بالقوة "العقل الفعال" عن طريق أصحابه من الفلاسفة والحكماء باستنباط قوانين الخلق ويقدمونها شرحًا الى طبقة "المستبصرين بالحكماء" الذين هم فى حقيقة الأمر "العقل المنفعل" والذين هم أصحاب الفعل المنظم من حيث أنهم يقومون بتهيئة النص وتبسيطه – إذا لزم الأمر – وتحويله الى تشبيه ومحاكاة وذلك كله من أجل ان يتمكن العقل المستفاد الذى تمثله "طبقة المواطنين" من إدراك النص واستيعابه.

(1)  "آراء أهل المدينة الفاضلة" – الطبعة الثانية  1986 دار المشرق – بيروت  - لبنان، تقديم الدكتور ألبير نصار نادر، أستاذ الفلسفة بالجامعة اللبنانية ص 117
(2) المصدر السابق ص 147


No comments:

Post a Comment