Sunday, September 30, 2018

فلسطين.. قلب الأمة النابض

كعادتى هى أثناء ركوبى المترو محاولاتى الدائمة فى التمعن فى البشر من حولى وملاحظتى لأحوالهم فى تلك الأوقات التى لا يصفو فيها ذهنى عن التفكير فى أمر يشغلنى أو لا يهنأ لى فيها كتاب..
فى هذا اليوم جذبنى ذلك المشهد... امرأة تبدو عليها مظاهر التواضع ورقة الحال تجلس أمامى بجوارها طفلتان لا يتعدى سن احداهما الخمس سنوات وبين ذراعيها طفل صغير جميل ، منظر ليس به جديد سوى أن ما جذبنى اليه هو ذلك الحوار القصير الذى تجاذبته تلك المرأة مع جارتها الجالسة بجوارها .. قالت لها بصوت رقيق هامس وبحديث لا ينم عن شكوى أو سخط بأكثرما تشعر فيه بالرغبة فى الفضفضة وبمحاولة القاء عبء مزعج يثقل كاهلها ولو للحظات حتى ولو بالحكى عنه : 
 والله يا أختى ربنا يعلم أنا عملت ايه ودبرت أمورى ازاى عشان اوفر سبعتاشر جنيه اشتريلها بيهم الجزمة الجديدة دى 
– تشير بعينيها الى احدى طفلتيها الصغيرتين –
 بس مافاتش عليها أكتر من تلات تيام وكانت مقطوعة
وقبل أن تنتظر أى رد من جارتها.. بحنان بالغ وبعفوية صادقة تضم تلك الطفلة الى جوارها وتطبع على رأسها قبلة سريعة لا ترفع خلالها الطفلة عينيها عن تلك العروسة الصغيرة من القماش التى انشغلت بالعناية بها وكأنما تعودت على ذلك الفعل من أمها
بود ظاهرى ورغبة من يريد انهاء الحديث ترد جاراتها :
 ربنا يخليكى ليهم وتجيبلهم على طول
حديثًا ربما كان عابرًا قد تسمعه كثيرًا فى أى مكان دون أن يكلفك سوى بضع دقائق قد تتأسى فيها لحال الأم وتدعو لها بالصمود وتحسّن الأحوال ... ولكن ما استرعى انتباهى هو ذلك المشهد الإنسانى الخالص لتلك المرأة وقد بدأت بتحويل انتباهها لصغيرها، تهدهده  حينًا وتضمه برقة الى صدرها حيناً وتربت على ظهره وكتفه حينًا آخر ومن لحظة لأخرى توزع على فمها ابتسامات رقيقة عذبة وعلى وجنته وجبهته قبلات صامتة.
نظرت الى تلك المرأة والى طفلها الوادع الصغير وقد بدأ يستسلم لخدر ناعس لذيذ وعلى وجهه ترقد ابتسامة هادئة .. شعرت بأن تلك المرأة الآن قد ملكت العالم وأن لا شىء يمكن أن يؤرق بالها فى تلك اللحظات من شظف العيش وقساوة الحياة الذان كانت تتحدث عنهما منذ قليل.
هو فعل الأمومة  الذى لا يتأثر بحوادث عابرة ولا تؤجله شدّة مؤقته ولا تطغى عليه قساوة زمن عنيد ولا تتراكم فوق حنايا قسماته فتخفيه مشاعر الخوف والعجز والضيق
فى عيون تلك المرأة  وعيون طفلها الصغير رأيت مشهداً حالمًا يفيض حنانًا وصفاءًا ورقةً ووداعةً.. بداخلى شلال من نور ينهمر وطيف من نسيم هادىء يغمرنى سكينة وطمأننية
وأنا أنظر اليها أحدث نفسى : 
ربما تعانين قليلاً من بعض هموم الحياة ومتعابها ولكنك على الأقل تنعمين بالراحة والهدوء وأنت تضعين صغيرك فى فراشه ليلًا دون أن يعتريك هاجس اللوعة خشية فقدانه صباحًا برصاصةٍ طائشةٍ أو شظية لقنبلة متطايرة تسلبه روحه وتسلبك سعادتك
وأنا انظر لذلك الوجه الملائكى البرىء أحدث نفسى:
 يا صغيرى الجميل.. يا طفلى الحبيب ... يا أملى الكبير .. فلتنعم بالراحة والسلام فى دفء حضن أمك فيكفيك أن تشعر بداخلها بالأمان الذى ربما لا يصفو لغيرك ولا يتوفر لكثير من أمثالك

فى قلب الأم *
مخابئ لأطفالها وحزنها
فى حضن الأم وقلبها
للمرأة الثكلى
قلب من حليب وزجاج
للأب المفجوع قلب من دمع
يضىء به السراج
 *من كلمات الشاعر الفلسطينى ماجد أبو غوش قصيدة (فارس عودة) الشهيد الغزّى  صاحب الأربعة عشر ربيعًا الذى قتل بقذيفة مدفع وهو يواجه الدبابة الاسرائيلية وفى يده حجر فى 8 تشرين الثانى 2000

 كتبت بتاريخ 1/2/2009

سر الوجود وغايته



نحن كبشر موجودون، ومعرفة كل إنسان بوجوده مسألة فطرية يدركها حضورًا من خلال وجدانه ولا يوجد إنسان يحتاج لتعليل وجوده، وبالرغم من أن إثبات الوجود أمرًا بديهيًا إلا أن قضية الوجود فى ذاتها بكل ما تشمله من مبدئها ومنشئها ومنتهاها وعلاقة مكونات الوجود ببعضها البعض، ودور الإنسان باعتباره أحد الموجودات فيها، كل هذا يعتبر من المسائل الهامة بل لا نبالغ إذا قلنا أنها من أول المسائل التى يحتاج كل إنسان للوقوف عليها ومعرفتها معرفة صحيحة، ذلك أن تلك المعرفة هى ما ستشكل رؤيته فى الحياة والتى سيبنى عليها كل تصرفاته وأفعاله ومن ثم يتحدد بناء عليها مصيره، وبالرغم من أهميتها تلك إلا أنه لا يوجد سوى قليلون ممن يلفت انتباههم البحث المنهجى عن معنى الوجود وغايته،  فنرى الغالبية مع الأسف ممن يتلقون تلك المعرفة بشكل اتفاقى لا إرادى من خلال المحيط أو الموروث أو المتعارف عليه دون محاولة للبحث أو الفهم.

فى مسألة الوجود توجد نظرتان، أولهما هى النظرة ذات التفسير المادى للوجود والتى يرى أصحابها أن الوجود ليس سوى العالم المادى وأن الإنسان هو محور الكون فكل شىء يسير حول رغباته ومسيرته وغايته المستقلة التى يختارها لنفسه بما يعنى عدم وجود خطة ورؤية وهدف متكامل قام عليه هذا الوجود بكل ما فيه من موجودات.

وثانيهما هى النظرة التى ترى فى الوجود بعدًا آخرًا معنويًا مجردًا، ومن ثم  بوجود محور آخر للوجود غير الإنسان، ذلك هو الله الخالق الحكيم المدبر، لكن فى كثير من الأحيان لم يسلم هؤلاء من سيطرة النزعة المادية على رؤيتهم تلك، فبرغم اعتراف بعضهم بوجود الله وعظمته وقدرته إلا أنهم يرون أن الغاية من الخلق هو من أجل سعادتهم ولهذا فقد خُلق الكون مسخرًا لهم كما أن فعل الله مسخر لطاعتهم وخدمتهم وحسب ما تتطلبه مصلحة الإنسان، فتصبح العبادة بالنسبة لهم وسيلة مادية لنيل السعادة، وما الجنة فى نظرهم إلا مكافأتهم لنيل السعادة الأبدية، وما النار إلا وسيلة للردع لما فيه مصلحتهم، هكذا يصبح الوجود لديهم بمثابة حلقة تبدأ من الإنسان وتنتهى بالإنسان، والله ليس سوى منفذ لها..

فى البدء كان الله

لما كان كل موجود يفتقر فى وجوده إلى موجد (خالق) يخرجه إلى حيز الوجود، وهذا الموجد يحتاج بدوره إلى موجد آخر، وهكذا تنتهى الأسباب إلى الله، فالله هو واجب الوجود، بمعنى أنَّ وجوده من ذاته، هكذا لا يمكن مقارنة وجود الله بباقى الموجودات، وبالتالى لا يمكن أن يقع فى قبال وجود الله أى وجود آخر فهو الوجود المطلق، كما لا يمكن تصور وجوده فى مقابل العدم، فالعدم ليس بشئ موجود، ولو صار فى قباله شىء لكان محدودًا، ولو كان محدودًا لم يكن خالقًا، لأن كل محدود له حد لا يتعداه، ويصبح غير واجدٍ لما وراء حده، فكل محدود هو مخلوق، وكل مخلوق يحتاج إلى خالق، والله لا يحتاج إلى خالق فوجوده هو عين ذاته كما تقدم.

ولما كان الله هو مطلق الوجود فكل وجود منه، لذلك كان حائزًا على الكمال المطلق والعلم المطلق والقدرة المطلقة وهكذا، من هنا كان الله غنيا بذاته، أى أنه مستغنى ومستقل بذاته الآلهية عما سواها، ولا حاجة له لكل هذه المخلوقات والموجودات فلماذا خلقنا؟ ولماذا كان ينبغى أن يوجِد أو يكترث لوجود مخلوقات من الأساس؟ هل يعنى ذلك أن وجودنا من منطلق العبث فلا معنى ولا غاية؟

إن القضية أن الله لما كان غنيًا وعظيمًا بذاته، حيث أن ذاته هى منتهى العظمة والكمال، كان عالمًا بغناه وعظمته بشكل مطلق أيضًا، فعلم الله ليس كعلمنا الذى نتحصل عليه بعد جهل أو يتردد فيه الشك والظن، ولما كان هناك تمام لدى الله بالعلم والإدراك لكماله، لم يكن فعله سوى تجلى لعظمة ذاته، فكل شئ فى الوجود لم يوجد لأنه مستحق للوجود أو لغاية مستقلة عن الله وإنما لأن وجوده هو مظهر لتجليات عظمة الله، ولذلك كان لا بد لتلك الموجودات أن توجد، فمن مقتضى عظمة الله أن فاض بوجوده الذى هو من ذاته على باقى الكائنات.

سر الوجود

بعد كل تلك المقدمات فإن تصور ما يخرج عن دائرة الوجود المطلقة لله هو تحديد للذات الآلهية وهو ما تم نفيه، لذلك لا يمكن تصور وجود مستقل فى وجوده عن الله، ولا يمكن تصور وجود يمكن أن يسير بحركة ذاتية مستقلة عن غاية الله، بل إن كل الموجودات والأشياء هى من الله وإلى الله، فهو المبدأ وهو المنتهى، فنحن ملكه وفانون فيه وحقيقة وجودنا هى: أننا لله، ومصيرنا لله، وإنا لله وإنا اليه راجعون.

ولكن هنا قد ينشأ فى الذهن سؤال آخر: إذا كان فعل الله تجليا لمظهر عظمته، فكيف يخلق الله وجودًا ناقصًا مليئًا بالعيوب، أليس يجب أن يكون هذا المظهر التام لعظمة الله متحققًا؟

غاية الوجود

إن العقل يحكم بأن أعظم مظهر لتجلى عظمة الله هو الجنة التى لا يتطرق إليها عيب أو نقص، فيكون تحققها متناسبًا مع درجة عظمة الله وعلمه وقدرته المطلقة، وهى غاية فعل الله وتحقق مشيئته، ولكننا نرى الإنسان يسفك ويقتل ويظلم، ونرى الأرض – كما أن فيها مظاهر للعظمة والكمال – ولكن فيها أيضًا مظاهر للنقص، فلا يمكن أن تكون هى مقصود الفعل الإلهى، أو هدفًا نهائيًا له، والأرض والسماء تفنى، فهل يعقل أن تكون تلك نهاية الوجود وغايته؟

إن العلاقة الحقيقية بين المخلوق الأكمل (الجنة) والمخلوقات الناقصة (الإنسان والأرض وغيرهما) هى أن هذه الأشياء وجدت لأجل تلك الغاية النهائية، بما يعنى أن هذه الخلوقات ستساهم فى صناعة الجنة، ومن هنا تصبح الجنة محلًا للإنسان بشكل عرضى، أما فى الأصل فهى تحقيق لعظمة الله ومظهر لتجلى كماله وعظمته، لذا كان لكل هذه الموجودات دخل وعلاقة فى إظهار العظمة الآلهية.
يقول الله سبحانه فى حديثه القدسى ” يا ابن آدم خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلى”

من هنا كان على هذا الإنسان أن يسير وفق تحقيق الغاية الآلهية (الجنة) بأن يمتثل لطاعة الله وأوامره ونواهيه من خلال شريعته المحكمة والدقيقة التى إن التزم بها الإنسان وطبقها أدت إلى تحقيق غاية الوجود، ومن خلالها أيضًا يسعد الإنسان وينجو، من هنا كانت إرادة الله التكوينية فى خلقه للموجودات وإرادته التشريعية فى إرسال الرسل والرسالات هى وسيلته إلى تحقيق غايته العظمى.

 ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا )

شاءت إرادة الله أن تكون وسيلته فى تحقيق تلك الغاية من خلال الإنسان المكلف المختار، ولفهم ذلك نضرب مثالا..
تخيل إنسانًا مبدعًا أراد أن يبرز عظمة إبداعه من خلال تصميم دقيق، فصنعه بنفسه..
وتخيل شخصًا آخر جاء بتلميذ كان فى البداية جاهلاً بكل شئ فعلمه ورباه، وتمكن من جعله قادرًا على إبداع ما يدور فى فكره على أحسن ما يكون فأى الاثنين يكون أكثر إبداعًا؟!
وتخيل أن هذا المعلم وضع تلميذه فى مكان لا يوجد فيه من الوسائل والأدوات سوى بعض المواد الخام، وطالبه بأن يستغلها ليصنع بها إبداعه..
ثم تخيل مرة أخرى بأن هذا التلميذ وُضع فى بيئة يعمل كل من فيها على عرقلته ويسعون بكل قواهم لمنعه عن إنجاز إبداعه حتى إنهم قد يصلوا إلى حد القضاء عليه ليقضوا بذلك على حلمه..
فجاء هذا المعلم وأسّر إلى تلميذه بسر اختراعه وخطته وكيفية الوصول إليه، وبالسلوك الذى عليه أن يتبعه ليسلك طريقه، ثم أنزله فى تلك البيئة المعادية فكان عليه أن يسعى لإقناع الناس بأهمية إبداعه وخيريته، بل أن يقنعهم بمشاركته ويحولهم إلى أصدقاء مناصرين ويوكل لهم عملية الإبداع..
فأى تجلى للعظمة ستكون لمثل هذا المعلم إن استطاع أن يحقق من خلالهم ذلك الإبداع المحتوم؟!

 ( الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

لا معنى لتأخر مظهر عظمة الله وتحققه، وذلك لا يكون إلا لشيئين؛ إما جهل بحقيقة الكمال أو عجز عن تحقيقه، وكلاهما منزه عن الذات الآلهية سبحانه وتعالى، فلا محالة أن هذا الكمال متحقق، سواء أدركناه نحن البشر أم لا، وليس جهلنا بالأمر المتحقق إلا ما يعود علينا نحن فقط بالخسارة، فهو ما سوف يمنعنا من استفادتنا بحقيقة هذا الوجود والمشاركة فى المسير به نحو غايته.

كتبت بتاريخ 15/6/2015


فى منتصف العمر

تؤلمنى قدماى ولكنى لا أتوقف.... تتتابع خطاى فى وقعها الرتيب على ذلك الطريق الاسفلتى محدثة صوت طرقات منتظمة، أطرق بوجهى الى أسفل وقد ثبت عيناى على قدمى الآليتين ، تملكنى وجوم راح ينسكب على حواسى جميعها فلم يعد يصل الى أذنى سوى وقع خطواتى الجادة على الطريق.


لم أفق سوى على صوت الطرق الذى أصبح يتعاظم الآن شيئا فشيئا حتى بدا لى وكأن الدوى ينبع من داخل رأسى وليس من خارجها.... كانت رغبتى فى الاستمرار دون توقف لا تزال تلح على بنفس القوة مثلما كانت منذ البداية ولكنى أشعر الآن بأن الجهد قد بلغ منى مبلغه فآثرت التوقف قليلاً ريثما ألتقط أنفاسى ثم أعود لمواصلة الطريق.

أدهشتنى تلك الاستجابة السريعة من قدماى بالتوقف المفاجىء فى نفس اللحظة التى طافت بها الفكرة حول رأسى وكأنما تخشى ان هى تباطئت ان يغلبنى ترددى فى تنفيذ الأمر ، أرفع وجهى ببطء فتواجهنى تلك المساحات الشاسعة من سنابل القمح الطويلة على جانبى الطريق بامتداد البصر وقد تعانق لون أطرافها الأصفر مع خيوط الشمس الذهبية فكان لقاؤهما أشبه بكرات بلورية من وهج تومض و تختفى ثم تعود لتومض ثم تختفى ليبدو المشهد المهيب من حولى وكأنما امتلأ بعشرات الجنيات الصغيرة التى لا تكف عن الحركة والتنقل.

أرفع يدى لأحجب بها غزو ذلك التوهج الآخاذ عن عينى، ثمة باعث من داخلى يخبرنى بأنه قد مر على ّ وقت طويل منذ أن اتخذت قرارى ببدء التحرك فى هذا الطريق الطويل آملةً فى الوصول الى نهايته تؤيده فى ذلك التخمين عروقى النافرة وأنفاسى المتلاحقة.استطيع الآن المغامرة مع هذا التوقف الأول بأن انظر خلفى.. لا يطالعنى سوى وجه ذلك الطريق الاسفلتى الخالى الممتد حتى الأفق، أتمنى لو أستطيع أن أقدر كم قطعت من مسافة وكم من الوقت قد تبقى لى حتى النهاية.

اتذكر كيف كان قرارى بأن ابدأ خطواتى الأولى فى ذلك الطريق الطويل، كان ذلك بعد أن ضج الجميع بالبقاء فى أماكنهم فقرروا أن يغادروه الى مكان آخر يرغبونه فيستقرون فيه. أنا ايضا كنت واحدة منهم وعيت وأدركت بأنه لا سبيل لى للبقاء بعد الآن وبأن قرار الحركة كان حتمياً. برغم أنه كان جماعياً الا أن تنفيذ هذا القرار كان فردياً خالصا فلم يتفق الجميع على شىء محدد، كانت حرية الاختيار مكفولة للجميع ولم يكن ذلك بالشىء اليسير على الاطلاق، فكلما تعددت الاختيارات كلما تطلب تفضيل احداها على الآخر جهدا شاقاً وعسيراً، بالنسبة لى أدركت منذ اللحظة الأولى أن على أن أقطع طريقاً طويلاً وشاقاً وأن على أن أقطعه سيراً على الاقدام ، هكذا أنا أفضل أن تتاح لى الفرصة لأشاهد عن قرب وايضاً حتى يتسنى لى تذكر ملامح الطريق جيداً. الشىء الوحيد الذى لاأتذكره هو قرارى بأن أمضى فى هذا الطريق وحدى.

ربما قابلت الكثيرين خلال طريقى هذا ... نعم كثيراً ما تقابلت طرقنا ، بعضهم كانت طرقهم متشابهة أو ربما هكذا ظننت ولكن دائماً ما كانت تنحرف طرقهم بضعة سنتيمترات أو خطوات عن حافة هذا الطريق. استمتعت بملاقاة بعضهم والبعض الآخر تمنيت لو ربما لم تتقابل خطواتنا ولكن لا بأس ما دمت قد قررت الا أتنحى عن طريقى هذا وهم ايضاً كان من الأفضل لهم أن يمضوا الى حيث يريدون. ولكن لما هذا الطريق؟ اذكر أن احداً لم يقرر لى أى طريق اسلكه ولم يساعدنى أحد على الاختيار. كل الطرق كانت مجهولة بالنسبة لى وفى بدايتى لم أر أى علامة ارشادية ترشدنى الى أين اتجه. ولكنى أعرفه. اذكر ايضاً كيف ضللت طريقى هذا ذات مرة فى احدى الليالى المظلمة الباردة... تلمست خطاى وتتبعت احساسى وتسللت خلف عبق الرائحة المميزة له التى أعرفها وبها أعرفه. فى مرات أخرى كانت ملامح الطريق تخدعنى، احياناً يضيق ثم ينفرج وأحياناً أخرى يوالى صعوده وهبوطه المتكرر ولكنى أعرفه...

فى طريقى هذا ايضاً فقدت الكثير من مقتنياتى التى أحملها معى، بعضها سقط دون أن أدرى والبعض الآخر وضعته رغماً عنى فلم يعد فى مقدورنا المواصلة معاً ... لم أشأ أن أبقى لأبحث عما فقدته ولم أستطع أن انتظر حتى تسنح الفرصة لمواصلة حملى من جديد... فى كل مرة أدركت أن لحظة الفراق قد حانت ... حملت ورقى وأقلامى وذهبت. ربما كان ذلك جيداً لمن يجيئون بعدى ويتتبعون آثارى فيساعدهم ذلك على أن يعرفوا بعضاً من نفسى.

أعود الآن لأنظر أمامى ... أتأمل الطريق الخالى الطويل... أمد جذعى وأجول ببصرى لعلى أبصر نهاية الطريق أو أجد دلالة على قرب الوصول، ربما كان ما تبقى قليلاً ... وربما كان أطول مما توقعت... ربما لا يزال أمامى نفس المسافة التى قطعتها ربما أكون الآن فى منتصف الطريق
. .
 تعالى الى سمعى وقع أقدامى ومعها تعالت فى داخلى الرغبة فى أن أبدا من جديد.

كتبت بتاريخ 4/8/2008