Monday, April 1, 2019

التربية العقلية


العقل هو ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، فلو نظرنا الى تعريف الإنسان لوجدناه كما يعرفه المفكرون بأنه حيوان ناطق، بما يعنى أن الإنسان له بعدان، بعد حيوانى مادى متمثل فى الجسد، وبعد آخر هو البعد الناطقى أو العاقل المتمثل فى النفس الإنسانية المجردة بما تمتلك من قوى.
ولذا يعرف العقل الإنسانى بأنه قوة نفسية مجردة ضمن قوى النفس الثلاث، اضافة الى القوة الشهوية والغضبية، فلو نظرنا لوظيفة الشهوة لوجدناها هى التى من أجلها تجلب المنافع لهذا الإنسان، أما الغضب فهو وسيلة دفع الضرر عنه.
أما العقل فتنقسم وظيفته الى قسمين، فهو بلحاظ كونه قوة مجردة لها القدرة على التحرك والعمل فى المعلومات والمفاهيم المجردة – المعقولات – ليخرج منها بنتائج جديدة كانت مجهولة له قبلا، من هنا كان التعقل بمعنى الفهم والادراك، وهو ما يعرف بمصطلح العلم.
ومن جهة أخرى فبلحاظ علاقته بباقى قوى النفس، فوظيفته هى احكام وضبط باقى القوى النفسية الشهوية والغضبية والسيطرة عليها ووضعها على حد التوازن والاعتدال فلا تميل أحدهما الى حد التفريط أو الافراط ، من هنا كان التعقل بمعنى الاحكام والالجام والسيطرة، فعقل الشئ بمعنى ربطه وقيده. وهو ما يعرف بمصطلح التربية.
لذلك ليست مبالغة عندما نختصر الأمر فى أن الإنسان يختلف عن باقى المخلوقات بل ويسمو عليها  بحاجته  الى اكتساب العلم الصحيح والسلوك الفاضل، ذلك أن هذين الأمرين هما ما يؤديان الى بناء وكمال العقل والنفس.
إن هذا المفهوم للإنسان وللعقل هو المفهوم المفتقد كثيراً فى ثقافتنا ولو وضعناه نصب أعيننا لاختلفت الكثير والكثير جدا من مفاهيمنا الأخرى وتوجهاتنا فى الحياة. فلو نظرنا لواقع التعليم والتربية الحالية فى مجتمعاتنا لوجدناها لا تنطوى الا على مفاهيم سطحية وقشرية ومتهافتة لما ينبغى أن تكون تكون عليه هاتان العمليتان الضروريتان جدا فى حياة البشر.
فبالنسبة لثقافة التربية فقد انحصرت عند غالبية الآباء فى توفير حاجات الجسد لأطفالهم من مأكل ومشرب ورفاهيات معيشية، فإذا ما نظرنا لاهتمامهم بجانب التعليم فغاية ما تصل اليه جهودهم هو انفاق الأموال الطائلة على الحاق أطفالهم  بأغلى المؤسسات التعليمية دون الاهتمام بفاعلية وأصالة ما يتعلمونه أومضمون هذا التعليم الذى يتلقونه، وإذا ما بحثنا عن مفهوم التربية الحقيقى المتمثل فى ضبط السلوك والتقويم من أجل اكتساب الخلق الرفيع فنجده قد تم اختزاله تقريبا فى تلقين الطفل أيضًا لبعض المظاهر الشكلية ولا أكثر من ذلك.
أما إذا نظرنا الى دور المؤسسات التعليمية ذاتها، فعلى مستوى التعليم نجد تجاهلا لكل العلوم التى من شأنها تنمية وظائف العقل من أجل حسن الفهم والادرك والتمييز بين ما هو حق وصواب وما هو خاطئ ومزيف، كما ان أسلوب التعليم لا يعتمد سوى أسلوب التلقين الذى لا يختبر فى العقل الإنسانى سوى قدرته على الحفظ والترديد، أما من حيث الكم فتنتشر ثقافة أنه كلما زاد حجم المعلومات بغض النظر عن المضمون كلما أصبح الإنسان أكثر ثقافة ونضجا وعلما. أما الدور التربوى لتلك المؤسسات فقلما نجده فقد اختفى أو أوشك على الاختفاء تقريبا.
وإذا ما نظرنا للمجتمع ككل وجدناه فى الأغلب الأعم يفتقد على مستوى جميع المجالات الى النماذج الحسنة من العلماء والصالحين أصحاب العلم والخلق الذين يمكن لأى شخص أن يقتدى بهم أو يلجأ اليهم طلبا لعلم أو نصيحة. فلما غاب دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمع كانت نتيجة كل ذلك أن انحرف العقل عن أداء دوره ووظيفته الحقيقية التى خُلق من أجلها من أجل ضبط الإنسان وايصاله الى كماله وخيريته.
إذا أردنا أن نخلق إنسانًا عاقلًا من أجل مجتمع فاضل فعلينا أن ننمى فى أنفسنا ومجتمعنا ثقافة التربية العقلية، بأن ندرك أولًا معنى ووظيفة هذا العقل الحقيقية، فلا يقتصر اهتمامانا على متطلبات الجسد بل نفسح مجالًا واسعًا لمتطلبات العقل والنفس، فعلى مستوى العلم والمعرفة النظرية يجب أن ننمى فى هذا العقل قدرته على التمييز والنقد فلا يجب عليه أن يتبع أى قول أو يردد كل ما يلقى اليه بل ينتقده ويراجعه حتى يأخذ منه ما هو صالح ويرمى ما لا ينفع خارجًا، أن ننمى عند الطفل ثقافة السؤال والبحث عن الاجابة ولا نواجه أسئلته بالرفض والإنكار والتوبيخ والتسويف. أن نشجعه على الفهم قبل الحكم فلا يتخذ قرارا أو يبنى نتيجة الا بعد استيضاح مطالبها ومقدماتها، وإذا ما جهل شيئًا ألا يخجل من اعترافه بجهله فهى الخطوة الأولى من أجل العلم، بعيدا عن سطحية الفهم وأخذ قشور المفاهيم ثم ادعاء المعرفة والتلفيق التى لن تؤدى الا الى جهل مركب وقرارت خاطئة ومن ثم الفشل . أن ندربهم على ثقافة البحث وعدم التسليم الا بعد استيفاء الأدلة الصحيحة، وأن ننمى فيهم فكر البحث عن أهمية الشئ فى ذاته ومدى ملائمته للواقع قبل البحث عن كيفية الاستفادة والانتفاع منه.
أما على مستوى التربية والمعرفة العملية السلوكية فتربية هذا العقل تكون بتدريبه على ضبط الشهوات والأهواء والنوازع والتحكم فى العواطف والميول من أجل تهيئة النفس لحال العدالة والاتزان، فإذا ما تحقق ذلك كانت هذه هى الخطوات الأولى والضرورية لاقرار النظام والعدالة فى المجتمع.
فعندما يصبح الإنسان عالمًا بالحقيقة؛ حقيقة نفسه والعالم، ومدركًا للحق؛حقوق نفسه والآخرين بما يتطابق مع حاجاتهم الحقيقية، ثم مطبقًا لتلك العدالة مع نفسه أولًا، يمكن له أن يطبق ذلك مع غيره على أرض الواقع. وبدون تلك المرحلتين الهامتين لا يمكن أن نطمح لوجود مجتمع فاضل أو نتحدث عنه، وسنظل ندور فى تلك الدوائر المفرغة التى يسود فيها الجهل والظلم، الجهل لغياب العلم والظلم لغياب التربية التى تؤدى الى فضيلة العدل.
فلا نبالغ إذا قلنا أن الحلقة الناقصة وحقيقة ما ينقصنا بالفعل هى التربية العقلية،عندما نعى ونهتم بحسن رعاية العقل كما ينبغى أن تكون.

كتبت بتاريخ 14 مارس 2016

No comments:

Post a Comment